وتحقيق هذا أن القلوب ثلاثة :
قلب قاس : غليظ بمنزلة اليد اليابسة . وقلب مائع : رقيق جدا .
فالأول : لا ينفعل بمنزلة الحجر . والثاني . بمنزلة الماء وكلاهما ناقص وأصح القلوب ( القلب الرقيق ) الصافي الصلب فهو يرى الحق من الباطل بصفائه ويقبله ويؤثره برقته ويحفظه ، ويحارب عدوه بصلابته . « وفي الأثر القلوب آنية اللّه في أرضه فأحبها إليه وأرقها وأصلها وأصفاها » وهذا القلب الزجاجي فإن الزجاجة جمعت الأوصاف الثلاثة ، وأبغض القلوب إلى اللّه القلب القاسي قال تعالى :
فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ
« 1 » وقال تعالى :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
« 2 » وقال تعالى
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
« 3 » فذكر القلبين المنحرفين عن الاعتدال هذا بمرضه وهذا بقسوته وجعل إلقاء الشيطان عتمة لأصحاب هذين القلبين ورحمة لأصحاب الثالث ، وهو القلب الصافي الذي ميز بين إلقاء الشيطان وإلقاء الملك بصفائه قيل الحق بإخباته ورقته وحارب النفوس المبطلة بصلابته وقوته فقال تعالى عقيب ذلك :
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
« 4 » .
فصل [ الفرق بين العفو والذل ]
والفرق بين العفو والذل : أن العفو إسقاط حقك وجودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس ، فهذا مذموم غير محمود ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه قال تعالى :
وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
« 5 » .
فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك حتى إذا قدروا على من بغي عليهم وتمكنوا من استيفاء ما لهم عليه نذبهم إلى الخلق الشريف من
هامش
( 1 ) سورة الزمر ، الآية 22 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية 74 .
( 3 ) سورة الحج ، الآية 53 .
( 4 ) سورة الحج ، الآية 54 .
( 5 ) سورة الشورى ، الآية 39 .