بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 1 » ولما كانت هذه الآية ونظيرها في سورة مدنية ، خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل الكتاب ، فإنه ميثاق أخذه عليهم بالإيمان به وبرسله ، ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية ، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك ، وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة ، وينقطع به العذر ، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك ، فلا بد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به ، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأن فاطرهم ربهم ، وأنهم مخلوقون مربوبون ، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم ، ويعرفونهم حقه عليهم ، وأمره ونهيه ووعده ووعيده .
ونظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة :
- أحدها : أنه قال
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ
« 2 » ولم يقل آدم ، وبنو آدم غير آدم .
- الثاني : أنه قال
مِنْ ظُهُورِهِمْ
ولم يقل ظهر ، وهذا بدل بعض من كل أو بدل اشتمال ، وهو أحسن .
- الثالث : أنه قال
ذُرِّيَّتَهُمْ
ولم يقل ذريته .
- الرابع : أنه قال
وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ
« 3 » أي جعلهم شاهدين على أنفسهم ، فلا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به ، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادة قبلها .
- الخامس : أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ
« 4 » والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
« 5 » .
- السادس : تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة
إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 63 .
( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 173 .
( 3 ) سورة الأعراف ، الآية 173 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 172 .
( 5 ) سورة النساء ، الآية 165 .