سعي منهم ، فهذا ليس هو لهم ، وإنما هو للآباء ، أقر اللّه أعينهم بإلحاق ذريتهم بهم في الجنة ، وتفضل على الأبناء بشيء لم يكن لهم ، كما تفضل بذلك على الولدان ، والحور العين ، والخلق الذين ينشئهم للجنة بغير أعمال ، والقوم الذين يدخلهم الجنة بلا خير قدموه ولا عمل عملوه ، فقوله تعالى :
أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
« 1 » وقوله :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى
« 2 » آيتان محكمتان يقتضيهما عدل الرب تعالى وحكمته وكماله المقدس ، والعقل والفطرة شاهدان بهما ، فالأول يقتضي أنه لا يعاقب بجرم غيره ، والثانية يقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله وسعيه ، فالأولى تؤمن العبد من أخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا ، والثانية تقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه ، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب ، فتأمل حسن اجتماع هاتين الآيتين .
ونظيره قوله تعالى :
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 3 » فحكم سبحانه لأعدائه بأربعة أحكام هي غاية العدل والحكمة :
أحدها : إن هدى العباد بالإيمان والعمل الصالح لنفسه لا لغيره .
الثاني : إن ضلاله بفوات ذلك وتخلفه عنه على نفسه لا على غيره .
الثالث : أن أحدا لا يؤاخذ بجريرة غيره « 4 » .
الرابع : أنه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه برسله ، فتأمل ما في ضمن هذه الأحكام الأربعة من حكمته تعالى وعدله وفضله ، والرد على أهل الغرور والأطماع الكاذبة ، وعلى أهل الجهل باللّه وأسمائه وصفاته .
قالت طائفة أخرى : المراد بالإنسان هاهنا الحي دون الميت ، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد .
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآية 38 .
( 2 ) سورة النجم ، الآية 39 .
( 3 ) سورة الإسراء ، الآية 15 .
( 4 ) أي لا يؤاخذ أي إنسان بما فعله غيره ، لأن كل إنسان مؤاخذ بما يفعله هو :وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ.