تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الروح — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إني أوتيت الكتاب ومثله معه » . وأما الجواب المفصل : فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير موضع . فمنها قوله تعالى
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
« 1 » وهذا خطاب لهم عند الموت ، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون ، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون . ومنها : قوله تعالى
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
« 2 » فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره . ( ومنها ) قوله تعالى
فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ . يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ . وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
« 3 » وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا ، وأن يراد به عذابهم في البرزخ ، وهو أظهر ، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا ، وقد يقال وهو أظهر : إن من مات منهم عذاب في البرزخ ، ومن بقي منها عذب في الدنيا بالقتل وغيره ، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ . ( ومنها ) قوله تعالى
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
« 4 » وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد اللّه بن عباس على عذاب القبر وفي الاحتجاج بها شيء ، لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر ، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن ، ولكن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر ، فإنه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى وأكبر ، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا ، فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا ، ولهذا قال : من العذاب الأدنى ، ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية 93 . ( 2 ) سورة غافر ، الآية 46 . ( 3 ) سورة الطور ، الآية 45 . ( 4 ) سورة السجدة ، الآية 21 .
الروح — صفحة 117 | ابن قيم الجوزية