الأفعال وقبحها ، ولا يتوقّف دركه على تعلق الأمر والنهي من الشارع بشيء حتّى يستدل بالأمر على حسن المتعلّق وبالنهي على قبحه ، وذلك لأنّ اللَّه سبحانه خلق الإنسان على فطرة خاصة حيث ألهمه سبحانه قبل أن يتدين بدين ، حسن الأفعال وقبحها ، فقال سبحانه :
« فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » .
« 1 »
وأوضح دليل على أنّ الإنسان يعرف حسن الأفعال وقبحها قبل الشرع هو قوله سبحانه :
« وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ » .
« 2 »
وقال تعالى :
« قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ » .
« 3 »
فالآيتان الأُولى والثالثة تدلان بوضوح على أنّ الفاحشة صارت متعلّقة للنهي لكونها بذاتها فاحشة ، لا أنّها صارت فاحشة لأجل النهي ، ونظير ذلك قوله :
« قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ »
فهو ظاهر في أنّ القسط يتميز عن ضده بذاته ، قبل أن يتعلّق حكم من الشرع به .
ويؤيد ذلك قوله سبحانه :
« فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً » .
« 4 »
قال ابن قيّم الجوزية : والقرآن مملوء من أوّله إلى آخره بذكر حِكَم الخلق ، والأمر ومصالحهما ومنافعهما وما تضمّناه من الآيات الشاهدة الدالّة عليه ، ولا يمكن من له أدنى اطّلاع على معاني القرآن ، إنكار ذلك . وهل جعل اللَّه سبحانه
هامش
( 1 ) . الشمس : 8 .
( 2 ) . الأعراف : 28 و 29 .
( 3 ) . الأعراف : 33 .
( 4 ) . النساء : 160 .