إنّ القرآن الكريم يُشيد بالوحدة ، واتّفاق الكلمة والاعتصام بالعروة الوثقى ، ورفض التشتّت والتفرّق ، ويندِّد بالاختلاف والفرقة ، يقول سبحانه :
« وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا » .
« 1 »
فهذا المقطع من الآية الكريمة بإيجازها يتكفّل بيان أمرين :
1 . يأمر بتوحيد الكلمة والاعتصام بحبل اللَّه .
2 . يزجر عن التفرّق والتشتّت .
وهذان الأمران من الوضوح بمرتبة لا يختلف فيهما اثنان .
ومع الاعتراف بذلك كلّه فاختلاف الكلمة إنّما يضرّ إذا كان صادراً عن ميول وأهواء ، فهذا هو الّذي نزل الكتاب بذمّه في غير واحدة من آياته ، يقول سبحانه :
« إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ »
« 2 » ، ويقول :
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ »
« 3 » فهؤلاء اختلفوا بعد ما تمّت عليهم الحجة وبانت لهم الحقيقة ، فهذا النوع من الاختلاف آية الأنانية أمام الخضوع للحقائق الراهنة .
وأمّا إذا كان الاختلاف موضوعياً نابعاً عن حبّ تحرّي الحقيقة وكشف الواقع ، فهذا أمر ممدوح ، وأساس للوصول إلى الحقائق المستورة ، وإرساء لقواعد العلم ودعائمه .
إنّ الاختلاف بين الفقهاء أشبه بالخلاف الّذي وقع بين نبيّين كريمين : داود وسليمان - على نبينا وآله وعليهما السلام - في واقعة واحدة حكاها سبحانه في كتابه
هامش
( 1 ) . آل عمران : 103 .
( 2 ) . الأنعام : 159 .
( 3 ) . آل عمران : 105 .