القاري . وذكر أمر الأنصار وأمر قريش - :
دعاها إلى استبدادها وحقودها * تذكر قتلى في القليب تكبكبوا
هنالك قتلى لا تؤدى دياتهم * وليس لباكيها سوى الصبر مذهب
فإن تغضب الأبناء من قتل من مضى * فو اللّه ما جئنا قبيحا فتعتبوا
[ 15 - الفرض من الكتاب وفائدته ]
فصل منه : قد حكينا قول من خالفنا في وجوب الإمامة وتعظيم الخلافة ، وفسرنا وجوه اختلافهم واستقصينا جميع حججهم إذ كان على عذر لمن غاب عنه خصمه وقد تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له والقيام بحجته ، كما أنه لا عذر له في التقصير عن إفساد ما يخالفه وكشف خطأ من يضاده عند من قرأ كتابه وتفهم حجته ، لأن أقل ما يزيل عذره ويزيح علته أن يكون قول خصمه قد استهدف لعقله وأضجر لسانه وقد مكنه من نفسه وسلطه على إظهار عورته ، فإذا استراح من شغب المنازع ومداراة المستمع لم يبق إلا أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه ، ومن شكر المعرفة بمعايب الناس ومراشدهم ومضارهم ومنافعهم أن يحتمل ثقل مئونتهم وتقريعهم وأن يتوخى إرشادهم وإن جهلوا فضل من يسدي إليهم ، ولن يصان العلم بمثل بذله ، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره .
واعلم أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم إذ كان مع التلاقي يقوى التصنع ويكثر التظالم وتفرط المضرة وتنبعث الحمية ، وعند المزاحمة تشتد الغلبة وشهوة المباهاة والاستحياء من الرجوع والأنفة من الخضوع ، وعن جميع ذلك تحدث الضغائن ويظهر التباين .
وإذا كانت القلوب على هذه الصفة وبهذه الحالة امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة ، وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية وإصابة الحجة لأن المتوحد بقراءتها والمتفرد بفهم معانيها لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله ولا يعز خصمه .
والكتاب قد يفضل ويرجح على واضعه بأمور : منها أن الكتاب يقرأ بكل مكان وفي