تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل ابن حزم الأندلسي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
عنده إلينا - بخلاف نقل الإنجيل الراجع إلى ثلاثة قد ظهر كذبهم ، وبخلاف نقل ( 1 ) التوراة التي هي راجعة إلى واحد وهو عزرا ( 2 ) ، وكانت قبل ذلك أيام دولتهم ممنوعة من كل واحد إلا من الكاهن وحده - وأعلامه منقولة كذلك في الكتاب المذكور ، كإعجاز القرآن وعجز العرب عنه وكشقه القمر إذ سألوه آية ، وكتجربة اليهود بأن يتمنوا الموت وإعلامه انهم ( 3 ) لا يتمنوه أبداً ( 4 ) وإذعان ملوك اليمن وإيمانهم به دون خوف منهم له ولا طمع منه في حظوة [ 146 ب ] دنيا من مال أو جاه لديه ، بل دعاهم إلى ترك الملك والنزول عنه والدخول في العامة ، وإسقاط الفخر والثأر والعداوات وطلب الدماء . والرجوع إلى مؤاخاة من قتل الآباء والأبناء ، فأجابوه كلهم كملوك اليمن وملوك عمان والبحرين وغيرهم - حتى جبلة بن الأيهم ثم ارتد أنفة ولم يزل نادماً على ردته - لا ينكر ذلك أحد ، مع براءة كتابه المنزل عليه من كل كذب ومن كل مناقضة ومن كل محال ، فصحت نبوته صحة لا مرية فيها ، وشريعته المتصلة من عهده عنه إلينا ، لأنها لم تكن قط منقطعة فيما بينه وبيننا ولا طرفة عين فما فوقها ، ولا كانت عند خاص دون عام ، بل منقولة من بين المشرق والمغرب . فإذا قد صح هذا كله : فالواجب على العاقل ألا يقطع دهره إلا بطلب معرفة ما ينجيه في معاده ، ويخلصه من الهلكة ومن النيران المحيطة بها ، ويرفعه إلى السماوات التي هي محل الحياة الأبدية والنجاة من كل مكروه ، وموضع السرور السرمدي واللذات الدائمة التي لا انقطاع لها ، ولا يشتغل من سائر العلوم إلا بمقدار ما يعرف به أعراضها ، ويزيل عن نفسه عمى ( 5 ) الجهل بأنه لعل فيها ما ليس فيها ، وما يتعلق بالديانة منها ، ثم يرجع إلى ما فيه خلاصه . وإذ لاشك في هذا فاعلم أن الفلاسفة لم يدعوا قط انهم تخلصوا بها بعد الموت ،
هامش
( 1 ) ص : فعل . ( 2 ) هو من الشخصيات الهامة في التاريخ الإسرائيلي ويقال إن ملك الفرس المسمى Artaxerxes أرسله من بابل إلى القدس ليعيد الشريعة المهملة فقرأ في القدس الشريعة على الناس وأدخل فيها إصلاحات . ويقال إن عمله لم يقتصر على إعادة توراة موسى التي كانت قد احترقت بل إنه أحيا كثيرا مما كان قد درس من كتب اليهود ، غير أن بعض المؤرخين يظن أنه لم يكن شخصية تاريخية . ( 3 ) ص : أنه . ( 4 ) سورة البقرة : 94 وانظر فصلاً عقده ابن حزم عن أعلام الرسول في كتابه " جوامع السيرة " الورقة السادسة وما بعدها . قال : ودعا اليهود إلى تمني الموت وأخبرهم أنهم لا يتمنونه فحيل بينهم وبين النطق بذلك . ( 5 ) ص : عم .