عليه واستدمته لك ، واستزدته فيك ؛ ثم لم ألبث أن اطلع ( 1 ) علي شخصك وقصدتني بنفسك ، على بعد الشقة وتنائي الديار وشحط المزار وطول المسافة وغول الطريق ؛ وفي دون هذا ما سلى المشتاق ، ونسي الذاكر ، إلا من تمسك بحبل الوفاء مثلك ، ورعى سالف الأذمة ووكيد المودات وحق النشأة ومحبة الصبا ، وكانت مودته الله تعالى . ولقد أثبت بيننا من ذلك ما نحن عليه حامدون وشاكرون .
وكانت معانيك ( 2 ) في كتابك زائدة على ما عهدته من سائر كتبك ، ثم كشفت إلي بإقبالك غرضك ، وأطلعتني على مذهبك ، سجية لم تزل عليها من مشاركتك لي في حلوك ومرك ، وسرك وجهرك ، يحدوك الود الصحيح الذي أنا لك على أضعافه ، لا أبتغي جزاء غير مقابلته بمثله ؛ وفي ذلك أقول مخاطباً لعبيد الله بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر ( 3 ) رحمه الله في كلمة لي طويلة وكان لي صديقاً : [ من الطويل ]
أودك وداً ليس فيه غضاضة . . . وبعض مودات الرجال سراب
وأمحضك النصح الصريح وفي الحشا . . . لودك نقش ظاهر وكتاب
فلو كان في روحي سواك اقتلعته . . . ومزق بالكفين عنه إهاب
وما لي غير الود منك إرادة . . . ولا في سواه لي إليك خطاب
هامش
( 1 ) اطلع بمعنى طلع .
( 2 ) قرأها برشيه : مغازيك .
( 3 ) المغيرة بن أمير المؤمنين الناصر قتل خنقاً صبيحة الليلة التي مات فيها أخوه الحكم المستنصر في مؤامرة شرحها ابن حيان ؛ ( انظر الذخيرة لابن بسام 4 / 1 : 58 ط . بيروت ) كي تكون البيعة مضمونة لأخيه الأصغر هشام المؤيد ؛ وهذا هو صديقه الذي يذكره هنا في الطوق ، وقوله " رحمه الله " يدل على أنه كان قد توفي قبل تأليف طوق الحمامة ، ولكنه خلف عقباً كان ابن حزم يعرفهم أيضاً .