رسالة في مداواة النفوس
مقدمة
- 1 -
تبدو هذه الرسالة نوعاً من المذكرات والخواطر ، التي دونت على مر الزمن ، وكانت حصيلة التجربة المتدرجة ، ولعل أكثرها إنما دون في سن كبيرة ، لأنها تشير إلى الهدوء والنضج في محاكمة الناس والأشياء ، وتمثل مفارقة وتكملة لطوق الحمامة ، وخروجاً على بعض الأحكام التي جاءت في الطوق أو تطويراً لها . ففي هذه الرسالة يقدم ابن حزم نظرته في الحياة على نحو فلسفي أو فكري .
فإذا نظر إلى الحياة الاجتماعية وجدها تقوم على محور واحد ، أحد طرفيه موجب والثاني سالب ، أما الطرف الموجب فاسمه " الطمع " ومعناه بهذا التعميم : المحرك أو الدافع الداخلي الذي يوجه الفرد نحو هذا الشيء أو ذاك . فالطمع أصل في كل المظاهر الاجتماعية التي نراها من حب وطموح وحياة مادية وغير ذلك . وإذا أخذنا الحب مثلا لنفسره على مبدأ الطمع وجدنا أنواعا من الحب تختلف في الظاهر ، وترجع كلها إلى أصل واحد هو " الطمع فيما يمكن نيله من المحبوب " .
ألست ترى جميع أنواع المحبين يتفرقون في النهاية ، فيموت الوالد أسفاً على ولده ، والعاشق حزناً على معشوقه كما يتفقون في التعبير عن هذا الحب فيغار الرجل على صديقه كما يغار الآخر على زوجه . ثم تأمل من يقر برؤية الله تعالى ويحن إلى تحققها تجده