وليس من العجب فيمن أحب قبيحاً ثم لم يصحبه ذلك في سواه فقد وقع من ذلك ، ولا في من طبع مذ كان على تفضيل الأدنى ، ولكن في من كان ينظر بعين الحقيقة ثم غلب عليه هوى عارض بعد طول بقائه في الجمام فأحاله عما عهدته نفسه حوالة صارت له طبعاً ، وذهب طبعه الأول وهو يعرف فضل ما كان عليه أولاً ، فإذا رجع إلى نفسه وجدها تأبى إلا الأدنى ، فأعجب لهذا التغلب الشديد والتسلط العظيم . وهو أصدق في المحبة حقاً ممن ( 1 ) يتحلى بشيم قوم ليس منهم ، ويدعي غريزة لا تقبله ( 2 ) ، فيزعم أنه يتخير من يحب . أما لو شغل المحب بصيرته ، وأطاح ( 3 ) فكرته ، وأجحف بتمييزه ، لحال بينه وبين التخير ( 4 ) والارتياد . وفي ذلك أقول شعراً منه : [ من البسيط ]
منهم فتى كان في محبوبه وقص . . . كأنما الغيد في عينيه جنان
وكان منبسطاً في فضل خبرته . . . بحجة حقها ( 5 ) في القول تبيان
إن المها وبها الأمثال سائرة . . . لا ينكر الحسن فيها الدهر إنسان
وقص فليس بها عنقاء واحدة . . . وهل تزان بطول الجيد بعران
وآخر كان في محبوبه فوه . . . يقول حسبي في الأفواه غزلان
وثالث كان في محبوبه قصر . . . يقول إن ذوات الطول غيلان وأقول أيضاً : [ من الطويل ]
يعيبونها عندي بشقرة شعرها . . . فقلت لهم هذا الذي زانها عندي
يعيبون لون النور والتبر ضلة . . . لرأي جهول في الغواية ممتد
وهل عاب لون النرجس الغض عائب . . . ولون النجوم الزاهرات على البعد
وأبعد خلق الله من كل حكمة . . . مفضل جرم فاحم اللون مسود
هامش
( 1 ) هذه قراءة برشيه .
( 2 ) برشيه : لا تقابله .
( 3 ) برشيه : وأحاج .
( 4 ) في قراءة : التخيل .
( 5 ) برشيه : وكان مستدلاً [ كذا ] في فضل خيرته / بحجة حفها .