في بيانهم نحو الدليل العقلي ، وبناء آرائهم وعقائدهم على ما في طبيعة الوجود أو ما يشتمل عليه نظام الكون ، بل كانت منازع العقول في العلم ، ومضارب الدين في الإلزام بالعقائد ، وتقريبها من مشاعر القلوب ، على طرفي نقيض . وكثيرا ما صرح الدين على لسان رؤسائه أنه عدو العقل نتائجه ومقدماته . فكان جلّ ما في علوم الكلام تأويل وتفسير ، وإدهاش بالمعجزات ، أو إلهاء بالخيالات . يعلم ذلك من له إلمام بأحوال الأمم قبل البعثة الإسلامية .
جاء القرآن فنهج بالدين منهجا لم يكن عليه ما سبقه من الكتب المقدسة ، منهجا يمكن لأهل الزمن الّذي أنزل فيه ولمن يأتي بعدهم أن يقوموا عليه ، فلم يقصر الاستدلال على نبوة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بما عهد الاستدلال به على النبوات السابقة ، بل جعل الدليل
4
في حال النبي مع نزول الكتاب عليه في شأن من البلاغة يعجز البلغاء عن محاكاته فيه ولو في مثل أقصر سورة منه ، وقص علينا من صفات اللّه ما أذن اللّه لنا أو ما أوجب علينا أن نعلم ، لكن لم يطلب التسليم به لمجرد أنه جاء بحكايته ، ولكنه أقام الدعوى وبرهن
5
، وحكى مذاهب المخالفين وكر عليها بالحجة
6
، وخاطب العقل ، واستنهض الفكر ، وعرض نظام الأكوان وما فيها من الإحكام والإتقان على أنظار العقول ، وطالبها بالإمعان فيها ؛ لتصل بذلك إلى اليقين بصحة ما ادعاه ودعا إليه ، حتى إنه في سياق قصص أحوال السابقين كان يقرر أن للخلق سنة لا تغير
7
وقاعدة لا تتبدل ، فقال : ( 48 :
32
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا )
وصرح
8
( 13 :
11
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ )
( 30 : 30
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ )
واعتضد بالدليل حتى في باب الأدب ، فقال : ( 41 : 34
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ )
وتآخى العقل لأول مرة في كتاب مقدس على لسان نبي مرسل ، بتصريح لا يقبل التأويل .
وتقرر بين المسلمين كافة - - إلا من لا ثقة بعقله ولا بدينه - أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل ، كالعلم بوجود اللّه وبقدرته على إرسال الرسل ، وعلمه بما يوحى به إليهم وإرادته لاختصاصهم برسالته ، وما