قلت : أجمع العلماء إلا من شذ على أن المراد بهذا النفي بالنسبة إلى المساجد ، أي لا يصلح ذلك إلى مسجد غير هذه الثلاثة ؛ لتقارب المساجد سواها في الفضل ، فليس سفره إلى مسجد بلد آخر ليصلي فيه بأولى من مقامه عند مسجد بلده والصلاة فيه .
وهذا النفي يراد به نهي التنزيه ؛ لانعقاد الإجماع على عدم تحريم السفر إلى غير المساجد المذكورة ، لتجارة أو قُربة من القرب .
وقال بعضهم : المراد لا يستحب شد الرحال إلا إلى هذه ، ولا يلزم من نفي الاستحباب نفي الجواز .
وارتكب واحد من العامة تحريم زيارة الأنبياء والأئمة عليهم السلام والصالحين متمسكاً بهذا الخبر على مطلوبه ، ذاهباً إلى أنه لا بد من إضمار شيء هنا وليكن العبادة ؛ لأن الأسفار المطلقة ليست حراماً ! وهو تحكُّمٌ محض ؛ لأن إباحة الشد للأسفار المطلقة تستلزم أولويته لما هو عبادة ، إذ العبادة أو الحج في نظر الشرع من السفر المباح .
ويلزمه عدم الشد لزيارة أحياء العلماء ، وطلب العلم ، وصلة الرحم ، وقد جاء : من زار عالماً فكمن زار بيت المقدس ، وورد :
اطلبوا العلم ولو بالصين ، ولا يخالف أحدٌ في إباحة هذا مع أنه عبادة ، فتعين أن المراد بالحديث : لا يستحق ، أو لا يتأكد ، أو لا أولى بالشد من هذه الثلاثة . أو يضمر المساجد كما سبق ذكره .
وهذا القائل كلامه صريح في نفي مطلق زيارة قبور الأنبياء عليهم السلام والصلحاء ؛ لأنه احتج بأنه لم يثبت في الزيارة خبر صحيح ! بل كلما ورد فيها موضوع بزعمه ! وكل هذا مراغمةً للفرقة المحقة والفرقة الناجية ، الذين يرون تعظيم الزيارات والمزارات ، ويهاجرون إليها ويجاورون
الرد على الفتاوى المتطرفة — صفحة 44
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٤٤