ورئيس في الشرع ، وقبيح في العقل أن يجعل المفضول رئيسا لمن هو أفضل فيه فيما كان رئيسا فيه . يدل على ذلك ترئيس المتوسط في الخط على أحسن الناس خطا في الخط ، والمبتدئ في الفقه على مثل أبي حنيفة والشافعي في الفقه .
وقد أحكمنا هذا كله في الكتاب الشافي ، وبيّنا الفرق بين حسن تكليف الآمر من لا يعلمه إذا كان متمكنا من العلم به ، والفرق بين جعله رئيسا فيما لا يعلمه وان كان قادرا على التوصل إلى علمه ، وأن الأول جائز حسن والثاني قبيح . ولهذا حسن أن يكلف الكتابة من ليس بعالم بها في الحال إذا تمكن من التوصّل إلى علمها ، ولا يحسن قياسا على ذلك أن يجعل رئيسا فيها من لا يعلمها وان كان قادرا على تعلمها .
وليس يلزم على ما أوجبناه من علمه بأحكام الشرائع أن يكون عالما بالصنائع ، والمهن ، وتركيب الأدوية ، وعقد الحلوىّ . لأن ذلك كله ممّا لا تعلق له بما كان رئيسا فيه ، ولا يوجب رئاسته العلم به .
فإذا قيل : كيف يرجع في شيء من ذلك إلى غيره والخطأ جائز عليه ؟
قلنا : لا يمتنع رجوعه في ذلك إلى من يخطئ ويكون فعله هو صوابا ، كما يرجع في الأحكام إلى الشهود وان جاز أن يكذبوا .
ومن ارتكب أنه لا يقبل شهادة من يجوز عليه الخطأ ، وأن له أمارة على الصادق من الشهود ظنا فيه : أنّ خطأ الشهود يتعدى إليه في حكمه بشهادتهم .
لا يحصل ما نقوله ، لأن أحد الأمرين منفصل من الآخر .
وليس يتعدى الخطأ في الشهادة إلى الحكم بتلك الشهادة ، لأنه غير ممتنع أن يعلم اللّه تعالى أن المصلحة في الحكم بالشهادة مع تجويز الخطأ على الشاهد ، فيكون الحكم صوابا وان أخطأ الشاهد ، لأن الحكم بشهادته منفصل عن شهادته ، ويجوز حسن أحدهما وقبح الآخر .
الذخيرة في علم الكلام — صفحة 433
مساهمون: الشريف المرتضى
ص٤٣٣