وهذا الكلام قد فرغناه واستوفيناه في كتابنا في جهة اعجاز القرآن .
فان قيل : هذا المذهب يقتضي أن القرآن ليس بمعجز على الحقيقة ، وأن الصرف عن معارضته هو المعجز . وهذا خلاف الاجماع .
قلنا : لا يجوز ادعاء الاجماع في مسألة فيها خلاف بين العلماء « 1 » المتكلمين ، ولفظة « معجز » وان كان لها معنى معروف في اللغة بالمراد بالمعنى في عرفنا ماله حظ في دلالة صدق من اختصّ به ، والقرآن على مذهب أهل الصرفة بهذه الصفة ، فيجوز أن يوصف بأنه معجز .
وانما تنكر العامة وأصحاب الجمل القول بأن القرآن ليس بمعجز إذا أريد به أنه لا يدل على النبوة وأن البشر يقدرون على مثله . فأما كونه معجزا بمعنى أنه في نفسه خارق للعادة دون ما هو مسند إليه ودالّ عليه من الصرف عن معارضته ، فمما لا يعرفه من يراد الشناعة عندهم ، والكلام في تحقيق ذلك وقف على المتكلمين .
وإذا شنّع على من ذهب إلى خرق العادة بفصاحته بأنك تقول : إن العرب بل كل ناطق قادرون على فعل مثل القرآن في فصاحته وجميع صفاته .
بطلت شناعته واحتاج من تفصيل قوله إلى مثل ما احتجنا إليه .
ومن ذهب إلى [ أن ] القرآن موجود في السماء قبل النبوة ، لا يمكنه أن يجعل القرآن هو العلم المعجز القائم مقام التصديق ، لأن العلم على صدق الدعوى لا يجوز أن يتقدمها بل لا بدّ من حدوثه مطابقا لها .
فإذا قيل : نزول جبرئيل عليه السّلام إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، به جعله في حكم الحادث وان كان متقدم الوجود .
قلنا : يجب على هذا القول أن يكون هبوط الملك به هو العلم الدالّ على
هامش
( 1 ) في ه « من العلماء » .