وانما سميت هذه العلوم عقلا لأمرين : من حيث تمنع وتعقل مما تدعو النفس إليه ، من القبائح التي تتعلق به الشهوات ، تشبيها بعقال الناقة . والأمر الآخر أن مع ثبوت هذه العلوم تثبت العلوم التي تتعلق بالنظر والاستدلال ، فكأنها عاقلة .
ولهذه الجملة لم نصفه تعالى بأنه عاقل وان كان عالما بجميع المعلومات .
وممّا يجب كون المكلّف عليه أن يكون متمكنا من الآلات التي يحتاج إليها في الافعال التي يتعلق بها تكليفه ، لأن فقد الآلة يجري مجرى فقد القدرة في قبح التكليف ، ولأن تعذر الفعل مع فقدها لتعذره مع فقد القدرة ، إلا أن الآلات على ضربين : منها ما لا يقدر تحصيله إلا اللّه تعالى ، كاليد والرجل ، فيجب مع التكليف أن يحصّله تعالى للمكلّف في وقت الحاجة إليه .
والضرب الآخر يتمكن العبد من تحصيله من نفسه ، كالقلم في الكتابة ، والقوس في الرمي ، فلا يجب عليه تعالى تحصيله بل التمكين من تحصيله ، والايجاب لذلك كاف .
ولما كانت الافعال على ضربين : ضرب لا يحتاج في الوجه الذي يقع عليه الإرادة كردّ الوديعة ، وضرب آخر يحتاج إلى الإرادة كقضاء الدين والصلاة الواجبة . جاز أن يكلف من منعه من الإرادة ما لا يحتاج إليها ، ولم يجز تكليفه ما يحتاج إلى الإرادة « 1 » مع المنع من الإرادة .
وممّا يجب أن يكون المكلّف عليه صحة كونه مشتهيا ونافرا وآلما وملتذّا .
وانما قلنا ذلك لأن الغرض بالتكليف إذا كان هو التعريض للثواب ، ولن يصحّ استحقاق الثواب إلا بما على المكلّف في فعله لو تركه مشقة ، وانما يشق عليه الفعل بأن يكون نافر الطبع عنه ومشتهيا لما كلف العدول عنه .
هامش
( 1 ) في م « إلى إرادة » .