وجود الظل الممتد من الجسم بسبب الضوء هو الذي يعين لنا أبعاد الجسم ويميزه عمّا يحيط به ، وعندئذ نستطيع أنْ نراه .
كذلك هي حال عطاءات الحياة ، فلا يمكن رؤيتها بغير الظلال الخفيفة والثقيلة . ولولا المرض في بعض فترات الحياة لما عرفنا لذّة السّلامة . إنَّنا على أثر ليلة من الحمى الشديدة والصداع القاتل الأليم ، نشعر صباحا بعد انقطاع الحمى وزوال الصداع باللذة والحلاوة في العافية بحيث إنَّنا كلّما تذكرنا تلك اللّيلة العصيبة أدركنا قيمة السّلامة والعافية عندنا .
إنَّ الحياة نفسها ، حتى المسرفة في الرفاهية والرخاء ، تكون مملة وعديمة الروح وقاتلة لو أنَّها مضت على وتيرة واحدة . وكثيراً ما لوحظ أن بعض النّاس يعانون الألم والعذاب بسبب رتابة حياتهم المرفهة الخالية من كل منغص وقلق إلى درجة أن بعضهم يقدم على الانتحار ، أو لا يكف عن الشكوى من حياته .
إنّك لن تجد مهندساً معمارياً يملك ذوقاً يبني جدران غرفة الاستقبال رتيبة مسطحة مثلما يبنى جدران السجن ، بل أنَّه يضيف عليها من الانعطافات والانحناءات المناسبة ليخرجها من الرتابة .
لما ذا يتميز عالم الطبيعة بكل هذا الجمال ؟
لما ذا تثير فينا الغابات على سفوح الجبال ، والأنهار المنسابة بين الأشجار وهي تلتوي في المنعطفات كالأفعى ، هذا الشعور بالبهجة ؟
إنَّ أحد الأجوبة هو : أنَّها ليست رتيبة .
إنَّ من أهم آثار نظام « النّور » و « الظّلام » ، وتعاقب الليل والنهار الذي
دروس في العقائد الإسلامية — صفحة 92
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٩٢