ونستنتج من كل هذا الكلام أنَّ الأنبياء عليهم السلام - بما وهبهم اللَّه من علم ووعي وايمان خارق للعادة - يستطيعون أنْ يخمدوا صوت كل دافع للعصيان بحيث أنَّ أقوى المغريات لارتكاب الآثام لا تستطيع أنْ تغلب عقولهم وتضعف ايمانهم . وهذا هو معنى قولنا أنَّ الأنبياء عليهم السلام معصومون من كل إثم .
العصمة مدعاة للفخر
بعض الذين لا يدركون جيداً معنى العصمة وعواملها يعترضون قائلين : إذا كان اللَّه هو الذي يحول بين الشخص وارتكاب الاثم ويزيل من كيانه عوامل ارتكاب الذنوب ، فلا يكون هذا مدعاة لفخر هذا الشخص ، إذ أنَّ عصمته من الاثم إجبارية ، والفضيلة الاجبارية لا تكون مفخرة لأحد .
إنَّ جواب هذا الاعتراض قد جاء في البحوث التي مرَّ ذكرها ، إنَّ عصمة الأنبياء من الاثم ليست اجبارية مطلقاً ، بل هي وليدة ايمان الأنبياء القوي الكامل وعلمهم الذي لا يدانيه علم ، وهذا مدعاة لأعظم الفخر !
فإذا قام الطّبيب بوقاية نفسه من الأمراض السارية ، فهل يدل هذا على أنه مجبر على ذلك ؟ وإذا قام شخص بتطبيق مقررات الصحة بدقة تامة ، أفلا يدعو هذا إلى اعتزازه وفخره ؟
وإذا تجنب حقوقي ارتكاب جريمة ما لكونه يعرف العقوبات القاسية التي تحكم بها المحاكم ، فهل يفقد بذلك فضله ؟
وبناء على ذلك ، فإنَّ معصومية الأنبياء اختيارية ، وهي مفخرة عظيمة من مفاخرهم .