وقد يكون الشيء الواصل إلى الشخص قدرا يفيض عن تكميله لتكميل غيره ، كما جرى الامر في الوجودات كلها التي منها ، ما حصل له من الكمال ما يدبّر به غيره ، ومنها ما لم يحصل له من الكمال الا قدر يكون مدبّرا بغيره « 1352 » كما بينّا .
وبعد هذا فلتعلم ان هذا الفيض العقلي ، إذا كان فائضا على القوة الناطقة فقط ، ولا يفيض منه شيء على القوة المتخيلة . إما لقلة الشيء الفائض أو لنقص كان في المتخيلة في أصل الجبلة فلا يمكنها قبول فيض العقل « 1353 » . فان هذا هو صنف العلماء أهل النظر . وإذا كان ذلك الفيض على القوتين جميعا ، اعني الناطقة والمتخيلة كما بينّا ، وبيّن غيرنا من الفلاسفة ، وكانت المتخيلة « 1354 » على غاية كما لها الجبلي فان هذا هو صنف الأنبياء . فإن كان الفيض على المتخيلة فقط ، ويكون تقصير الناطقة اما من أصل الجبلة أو لقلة الارتياض « 1355 » . فان هذا الصنف هم المدبرون للمدن ، / وواضعوا « 1356 » النواميس ، والكهان ، والزاجرون « 1357 » ، وأرباب الأحلام الصادقة . وكذلك الذين يعملون العجائب بالحيل الغريبة والصنائع الخفية مع كونهم غير علمائهم ، كلهم من هذا الصنف الثالث .
ومما يجب ان تحققه هو ان بعض أهل هذا الصنف الثالث تحدث لهم خيالات عجيبة ، وأحلام ودهشات في حال اليقظة شبه مرأى النبوة « 1358 » ، حتى يظنوا بأنفسهم انهم أنبياء ، ويعجبون جدا بما يدركونه من تلك الخيالات ، ويظنون أنهم قد حصلت لهم علوم لا بتعليم ،
هامش
( 1352 ) بغيره : ت ج ، به نفسه لا غيره : ن
( 1353 ) فيض العقل : ت ، الفيض العقلي : ج
( 1354 ) كما بينا وبين غيرنا من الفلاسفة وكانت المتخيلة : ت ج ، - : ن
( 1355 ) ارتياض : ت ، الارتياض : ج
( 1356 ) واضعوا : ن ، وواضعوا : ن [ بالألف بعد الواو في كل من النسخ ]
( 1357 ) الزاجرون : ت ، الزجارون : ج
( 1358 ) :
ا ، مراه هنبواه : ت ج