والثالث : جهل المدرك وقصوره عن إدراك ما يمكن إدراكه ، هكذا ذكر الإسكندر .
وفي ازمنتنا « 937 » سبب رابع : لم يذكره لأنه لم يكن عندهم وهو الإلف والتربية ، لأن للانسان بطبيعته محبة ما ألفه ، والميل نحوه حتى أنك ترى أهل البادية على ما هم عليه من الشعث وعدم اللذات وضيقة الأقوات « 938 » يكرهون المدن ولا يستلذون بلذاتها ، ويؤثرون الحالات السيئة المعتادة على الحالات الصالحة الغير معتادة ، فلا تستريح أنفسهم لسكن « 939 » القصور ولا للباس الحرير ولا للتنعم بالحمام والادّهان والأطياب .
كذلك يحدث للانسان في الآراء التي الفها وربّي عليها من المحبة والحماية « 940 » لها والاستيحاش / مما سواها .
وبحسب هذا السبب أيضا ، يعمى الانسان عن إدراك الحقائق ويميل نحو معتاداته ، كما اعترى الجمهور في التجسيم وفي أمور كثيرة إلهية ، كما نبيّن كل ذلك من أجل الإلف والتربية على نصوص استقر تعظيمها والتصديق بها ، تدل ظواهرها على التجسيم وعلى خيالات لا صحة لها ، بل قيلت على جهة المثل واللغز ، وكان ذلك لأسباب / سأذكرها ، ولا تظن أن هذا الّذي قلناه من قصور العقل الانساني ، وكونه له حد يقف « 941 » عنده ، هو قول قيل بحسب الشريعة ، بل هو أمر قد قالته الفلاسفة وأدركته حق إدراكه من غير مراعاة مذهب ولا رأى ، وهو أمر صحيح ، لا يشك فيه إلا من جهل ما قد تبرهن من الأمور ، وهذا الفصل إنما قد مناه توطئة لما يأتي بعده .
هامش
( 937 ) از منتنا : ت ، ازماننا : ج
( 938 ) الأقوات : ت ، الأوقات : ج
( 939 ) لسكن : ت ، لسكون : ج
( 940 ) الحماية : ت ج ، الحماء : ن
( 941 ) يقف : ت ، وقف : ج