فصل في الكلام في امتزاج النعمة والمحنة
اعلم أنه لا يوجد نعمة في الدنيا إلا وبجنبها محنة ، فمن ذلك زوال النعمة فإنه محنة ، ومنه ما جعل اللّه للعبد من الاستطاعة فإنه جعله مستطيعا للإيمان ومستطيعا للكفر ، ومستطيعا للطاعة ومستطيعا للمعصية .
ومن البلية أنه عجّل الدنيا الفانية ، وأخّر الآخرة الباقية وجعلها مغيّبة خافية ، قال عزّ من قائل :
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى
[ طه : 15 ] ، يريد أنه لم يجعلها مشاهدة في الدنيا ولم يبدها ، وأخرها وأخبر عنها . ومعنى إخفاء اللّه لها أنه أخفى عينها ووقتها ، ولم يخف خبرها .
ومن البلية أن الباطل قد يشبه الحق في بعض المواضع ، ولا يفصل بينهما إلا ذو العلم والحجا ، وذلك في مثل مسائل الاجتهاد ؛ مثال ذلك الجمع بين الأختين في ملك اليمين ، وقد سئل عن ذلك أمير المؤمنين فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، فغلّب الحظر على الإباحة فحرّمهما .
وقال عليه السّلام في خطبة له : ( ألا إن الحق لو خلص لم يخف على ذي حجا « 1 » ، وإن الباطل لو خلص لم يخف على ذي حجا ، ولكنه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فيمتزجان معا ، فحينئذ يستولى الشيطان على حزبه ، ونجا حزب اللّه الذين سبقت لهم
هامش
( 1 ) أي : عقل . تمت .