تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
والثاني : أن يكون حياة الشيء معنى زائدا على وجوده ، كحياة الانسان فانّه ما لم ينضمّ إلى الجسم النفس لم يوصف ذلك الجسم بأنّه حيّ ، لأنّه إن كان وجود الجسمية هو حياته لكان كلّ جسم حيّا ، وقد عرفت إنّ إنّيته - تعالى - حياته ، فانّ إنّيته هي كونه بحيث يصدر عنه افعال الحياة » « 1 » ؛ انتهى . أقول : لا ريب في أنّ الحياة ما هو مبدأ ومنشأ للأفعال والآثار الصادرة عن الحيّ من العلم والقدرة والحسّ والحركة وغير ذلك . وهذا المعنى في الحيوان صفة زائدة على ذاته ، وأمّا في الواجب - تعالى - فالمبدأ ليس إلّا ذاته ، لأنّ ذاته بذاته يعلم ويفعل ، فذاته حياته . قال بعض المشاهير : قد مرّ إنّ الوجود الحقيقي ما يكون الشيء باعتباره موجودا ، فواجب الوجود لمّا كان باعتبار ذاته موجودا كان وجوده الحقيقي عين ذاته ، وكذلك الحياة الحقيقية فانّها ما يكون الشيء باعتباره حيّا . ولمّا كان ذات الواجب باعتبار ذاته حيّا كان الحياة عين ذاته ؛ وكذا حال باقي الصفات / 189
MA
/ الحقيقية من العلم والإرادة وغيرهما ، فانّهما عين ذاته - تعالى - ولا تغاير بينهما إلّا بالاعتبار - كما لا يخفى - ؛ انتهى . وما أشار إليه من معنى عينية الصفات هو المذهب الحقّ - على ما تقدّم في بعض كلماتنا - . وهذه المسألة - أعني : مسئلة عينية الصفات - وإن لم يكن هنا موضع بيانها إلّا أنّ هذا القائل وبعض أخرى لمّا تعرّض لبيانها هنا فلا بأس بأن نتعرّض لها نحن أيضا . فنقول : المذاهب المعروفة في تصحيح عينية الصفات ثلاثة : الأوّل : ما أشار إليه هذا القائل هنا ، وهو المذهب الحقّ المنصور . وبيانه : إنّ ذاته - تعالى - مصدر جميع الصفات ومحض ذاته بذاته منشأ الجميع ومناطه ومصحّحه ، بل هو فرد لكلّ واحد من الصفات قائم بذاته ، وليس له صفة زائدة على ذاته - كما فينا - ؛ فانّه - سبحانه - وان وصف بالحياة والعلم والجود والقدرة والإرادة وأمثالها لكن ليس ذلك لأجل اتصافه بها من حيث انّها معان متميّزة فيه ، بل من حيث انّه - تعالى - بمحض ذاته البسيطة الواحدة الحقّة الّتي هي صرف الوجود الخالص البحت منشأ
هامش
( 1 ) راجع : التحصيل ، ص 579 .