تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
أشار بعضهم حيث قال : إنّ الشيء المادّي والزماني بالنسبة إلى المادي غير مادّي ولا زماني ؛ يعنى به : انّ أثر المادّة وأثر الزمان - من المكان والوضع والعينية والخفاء - يرتفع منه بالنسبة إلى المجرّد . ثمّ كون مدار العاقلية والمعقولية على تجريد الصورة انّما هو بالنسبة إلى الأشياء الّتي لم يتحقّق للعاقل بالنسبة إليها علاقة وجودية وتسلّط قهري وعدم الحجاب ، فإذا تحقّق ذلك يكفي للعاقلية مجرّد الإضافة الشهودية الاشراقية . وإلى ما ذكرناه مجملا أشار إليه بعض المحقّقين مفصّلا حيث قال : فان قلت : ما تقول في المعلولات البعيدة من الأمور المادّية والجزئيات الكائنة الفاسدة ؟ ، وكيف يمكن حضوره عنده - تعالى - مع كونها مادّية ومختصّة بأزمنة وجوداتها وكونه - تعالى - مجرّدا أزليا أبديا ؟ ؛ قلت : أمّا المادّية فقد عرفت انّ التجرّد عن المادّة ليس شرطا لمطلق التعقّل ، بل انّما هو شرط للتعقّل الارتسامي والحضوري ، ولا امتناع في حضور المادّي عند المجرّد كما أن لا امتناع في كونه معلولا له والعلّة واجبة الحصول مع المعلول . إلّا انّه ليس المراد هو الحصول المكاني الوضعي ، بل المراد الحصول له بنفس الذات - كحصول المعلول عند العلّة - . وأمّا في الأمور الكائنة الفاسدة والزمانية ، فنقول : نسبة كافّة الزمانيات إليه - تعالى - نسبة واحدة كنسبة قاطبة الامكانيات ، وليس له - تعالى - بالنسبة إلى شيء من الزمانيات قبلية ذاتية ولا بعدية ولا مقارنة لعدم اختصاصه - تعالى - بشيء من الأزمنة ، بل وجوده محيط بكلّية الزمان ، كما ليس له بالنسبة إلى شيء من المكانيات فوقية ولا تحتية ولا مفارقة مكانية لعدم اختصاص وجوده - تعالى - بشيء من الأمكنة ، بل هو محيط بكلّية المكان . فالامتداد الزماني بطوله بالنسبة إليه - تعالى - كان واحدا كما أنّ الامتداد المكاني بفسحته بالنسبة إليه كنقطة واحدة . ولا يتوهّم انّ فيما ذكرناه التزام عدم كلّ حادث ، فانّا لا نقول : انّ كلّ حادث فهو في الأزل موجود حاضر عنده - تعالى - ، بل نقول : إنّ الحادث في وقت وجوده حاضر لديه منكشف عنده مع كونه - تعالى - في الأزل . وهذا الّذي ذكرت وإن كان منقولا من الحكماء إلّا انّهم قالوا : كذلك في الشهود العلمي الّذي هو بحسب الارتسام في ذاته ، أو في شيء آخر - على اختلاف المذهبين - لا بحسب
جامع الأفكار وناقد الأنظار — صفحة 205 | ملا محمد مهدي النراقي