الجوهر معلولة أيضا وإلّا كانت واجبة ، ولا يجوز أن تكون علّة تلك الطبيعة شيئا من الأفراد المندرجة تحتها ، لأنّ كلّ فرد بالنظر إلى طبيعته عرضي لها ومتأخّر عنها ، فلا يجوز أن يكون فرد من افراد الطبيعة علّة لها ؛ فيجب أن تكون علّة الطبيعة أمرا موجودا خارجا عن سلسلة الممكنات ، وهو الواجب - تعالى شأنه - .
وأورد عليه : بانّه يجوز أن يكون بعض افراد الجوهر مستندا / 19
MA
/ إلى بعض آخر منها وتذهب السلسلة إلى غير النهاية ، واستحالة التسلسل لم يؤخذ « 1 » في البرهان .
وأجيب عنه : تارة بأنّ الكلام في علّة الطبيعة لا في علّة الفرد ، فكما أنّ الفرد موجود فكذلك الطبيعة موجودة أيضا ، كيف والطبيعة متقدّمة على الفرد ، فنسبة الوجود إليها متقدّمة على نسبته إلى الفرد . وأخرى : بأنّ افراد الجوهر إن استند بعضها إلى بعض إلى غير النهاية فنقول : كما أنّ كلّ واحد محتاج إلى العلّة الصدورية فكذلك المجموع من حيث المجموع أيضا محتاج إليها ، لأنّ المجموع من حيث المجموع - أي :
/ 19
DA
/ معروض الهيئة الاجتماعية - موجود آخر وراء كلّ واحد واحد ، فلا بدّ له من علّة صدورية - فانّ ما لا يستغنى عنه كلّ واحد واحد من العلّة الخارجة لا يستغنى عنه المجموع من حيث المجموع أيضا - ، وعلّة المجموع لا يجوز أن تكون نفسه ولا جزئه - لاستلزامه تقدّم الشيء على نفسه - ؛ فيجب أن تكون علّته أمرا خارجا عن الجميع هو الواجب لذاته .
ولا يخفى عليك انّه يمكن أن يناقش في بعض مقدّمات هذا البرهان ؛ فتأمّل ! .
ومنها : برهان أورده الشيخ في إلهيات الشفاء ؛ وتقريره : انّ الممكنات كلّها - متناهية كانت أو غير متناهية - اشتركت في كونها أوساطا إلّا المعلول الأخير ، لأنّ كلّ واحد من آحاد سلسلة الممكنات لمّا كان معلولا لسابقه وعلّة للاحقه لكان علّة ومعلولا معا ، وكلّ ما هو علّة ومعلول فهو وسط . وإذا كان كلّ واحد من السلسلة وسطا لكان جميع السلسلة أيضا كذلك ، فلا بدّ له من طرف هو الواجب لذاته .
هامش
( 1 ) - الأصل : لم يوجد .