مسألة [ في أسماء اللّه تعالى ]
وقول الرجل : قد يكنّى به عن اسمه كقول فرعون : وما ربّ العالمين ؟ قال :
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ مريم : 65 ] ، وقول اللّه لموسى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
[ طه : 17 ] ،
قالَ هِيَ عَصايَ
[ طه : 18 ] ، فجواب الأول أن يقال :
وقد يكون ما هو ؟ ما صفته ؟ ، فجوابه سميع بصير .
وما هو ؟ أي مما يعرف له مائية في الخلق ، فهو يتعالى عن المثال .
وما هو ؟ يحتمل ما فعله ، فجوابه خلق الخلق ، ووضع كل شيء موضعه ، وذلك حكمته .
وقد يحتمل " ما هو ؟ " أي ممن هو ؟ فهو يتعالى عن أن يكون من شيء ، بل هو مكوّن الأشياء ، ولا قوة إلّا باللّه .
والسؤال عن الكيفيّة يحتمل وجهين : أحدهما طلب المثال له أن يكون مثلا لشيء من الأشياء ، واللّه واحد يجلّ عن الأشباه ، ويحتمل كيف صفته ؟ فجوابه مثل الأول أن ليس لصفته كيف ، إذ هو طلب المثال ، وهو يتعالى عن الشبه بالذات والصفة ، إلا أن يريد به : أيوصف هو ؟ قيل : بلى ، بما وصف به نفسه من الرحمة والعلم والقدرة .
وقول القائل : أين هو ؟ سؤال عن مكان ، وقد بيّنا أنه يتعالى عن ذلك ، ولا يوصف اللّه سبحانه بالاتصال بالأشياء ولا الانفصال ، ولا بالحلول فيها ولا بالخروج منها من جهة المسافة على ما هو ؛ لأن اللّه تعالى كان ولا غيره ، فمحال انتقال مما كان عليه لما مر بيانه ، وعلى التفسير بالخروج من صفات الخلق وشبهه يجوز ، ولا قوة إلّا باللّه .
ويوصف بالقرب من طريق العون والنصر ، ومن جهة التشريف والتخصيص ، ومن جهته الرحمة والإحسان ، ومن جهة التوفيق والإرشاد وهذا النوع ؛ لأن وصف هذا كله وصف ذاتي جائز أن يقال : لم يزل رحيما بأوليائه محبا لهم لوقت كونهم له أولياء ، مبغضا لأعدائه على ذلك ، وأما الوجوه هي حقيقة تلك الصفات يحققها غيره ، لا أنه بذاته يوصف ، فإنه فاسد ؛ لأنه لا يخلو من أن يكون له مدح وتمجيد وتعظيم فيكون له ذلك بغيره ، فيصير بخلقه الخلق ممدوحا منتفعا ، وهو الغنيّ بنفسه يتعالى أن يكون له بأحد مدح أو نفع ، فلذلك لا يوصف بذلك جل جلاله .
ثم القول بفعله أنه لا يجوز أن يكون مفعوله ؛ لما لا يعرف ذلك في الشاهد ، ولما يوصف به ولا يوصف بغيره ، ولما بيّنا أن الوصف بغيره يوجب الحاجة إليه ،