ثم قد يقال : سمع دعاء فلان ولم يسمع دعاء فلان ، ويقول الرجل : ما علم اللّه ذلك مني ، ويقول علم مني في وقت كذا ولم يعلم مني في وقت كذا ، ثم لم يجب به أن السمع والعلم لا يكونان من صفات الذات ، فما منع كذلك في التكليم والرحمة .
فإن قال : يريد نفي المعلوم والمسموع .
قيل له : كذلك في الأول ، يريد نفي فرعون من برّه وإكرامه بذكر نفي الكلام ، وهو شيء يريد به برّه ، وذلك معروف مما بشر المؤمنين بالكلام وأيأس الكفار ، وذلك عندنا على ذلك .
وبعد ، فإن المسألة ساقطة لأنه علق الحكم بجواز القول وقد بيّنا المسألة . قد عرفنا بما سبق أن لا يجوز أن يوصف اللّه بحادث ، ولو جاز ذلك لجاز الوصف بمصلح ومفسد وخيّر وشرير ، وذلك باطل ؛ فثبت أنه لا بما ظنّ ، ولا قوة إلّا باللّه .
وأيضا أن كل غير الصوت لا يتكلم فيه بتسميع ، وجائز أن يتكلم فيه بعلم ، ثم لم يجب التفريق بينهما بالاختلاف في حرف الإثبات ، ولم يوجب في ذاته اختلافا ، فما منع كذلك في حق النفي ، ولا قوة إلّا باللّه .
وأيضا أنه لا يجوز وصف اللّه تعالى بنفي العدل ، ثم لم يقل هو صفة الذات عندهم ، ثبت أن تقديره فاسد .
ثم يقال له : تعني بصفة الفعل الفعل نفسه وهو الخلق ، أهو عندك فعل أو غيره ؟
فإن قال : الخلق ، قيل : لم قلت إن الخلق صفة ؟ وهو صفة من ؟ ؛ إذ لا صفة إلا لموصوف .
فإن قال : هو صفة اللّه ، أعظم القول بأن يجعل الخلق للّه صفة ، والخلق فساد وقبيح وضرورة وعجز وأنجاس وخبائث ، وكل بصفته موصوف ، وهذه الأوصاف مما يأبى كل من له عقل أن يوصف بها ، فكيف يوصف بها اللّه .
وإن قال : غير الخلق ، لزمه القول أن المراد إن صفته هي فعل ، وقد بيّنا ذلك ، تعالى اللّه عن الوصف بخلقه ، فثبت أن صفته التي هي الفعل هي صفة ذاته .
وكذلك يقال : اللّه خالق رحمن رحيم ، فإنما سمّى به ذاته ، فمثله صفة الفعل - أي الفعل - وتوصف به ذاته ، وذلك كما يقال : كلام حكمة وصدق وكذب على أنه كذلك ، وهو صفة لصاحبه ، فمثله يضاف إلى اللّه .
وبعد ، فإنه يقال له : قولك رحمة ومغفرة صفة للفعل ، ولعنة وشتم أيضا عندك صفة الفعل ، فما الفعل الذي سمّي رحمة ولعنة حتى يوصف اللّه به ؟
فإن قال : جنة ونار ، وقبول ورد ونحو ذلك بطل قوله في المسائل التي ذكر في الأصلح والتعديل والتجوير ، إن اللّه رحيم لا يفعل بعباده ذلك ، وكل ذلك مما فعل
التوحيد — صفحة 42
مساهمون: أبي منصور الماتريدي
ص٤٢