والقبول والتصديق باللّه . والأصل في ذلك أثبت من الأمر المتعارف أن لا يوصف كل جاهل بالشيء بالتكذيب ولا كل عارف به بالتصديق به ، لكن المعرفة تبعث على التصديق والجهالة على التكذيب فسمّي بذلك نحو السبب لا الحقيقة ، واللّه أعلم .
مسألة [ في الإرجاء ]
ثم اختلف في المعنى الذي سمّي به من سمّي مرجئا بعد اتفاق أهل اللسان على الإرجاء أنه التأخير ، وعلى ذلك قوله : أرجه وأرجاه ، وقال : مرجون لأمر اللّه .
قالت الحشوية : سميت المرجئة بما لم يسمّوا كل الخيرات إيمانا . وهذا مما لا يحتمله اللسان ولا العقل .
فأما اللسان فهو أن الإرجاء هو التأخير ، ولا وجه لهذا الاسم فيما يسمى كل خير باسمه الخاص ومنع هذا الاسم العام . ثم لا يخلو من أن يكون هذا في الحقيقة اسما لكلّ أو لا ، فإن كان اسما له فمن يأبى تسمية الشيء باسمه الذي هو اسمه في الحقيقة جهلا به أو تعنتا ، فلا أحد يسميه بهذا الاسم ، فما بال هؤلاء سموا به خصوصا من بين جميع الخلق ، ولو كان بذا يلزم هؤلاء هذا الاسم فهو لازم لمن سماهم به ؛ لأنهم وقت التسمية بهذا تاركون لأسماء الخاصة لها ، فيصيرون بذلك مستحقين لهذا الاسم . ثم بقولهم الإيمان اسم لاجتماع الخيرات إبطال هذا الاسم عن كل خير على الانفراد ، فيلزمهم هذا ، أوليس باسم لها في الحقيقة فلا وجه لتسمية من لم يسمّ الشيء بما ليس ذلك باسم له ، ويكون ذلك في الحقيقة سمة الصادقين بالاسم المذموم عنده في الدين ، فقد أعلا درجة الكاذبين عند اللّه وحط درجة الصادقين ، وذلك عظيم عند من يعقل .
وأما العقل فإنما يدرك حقائق الأشياء بجهتين : إما بما تؤدي المشاعر المجعولة مسلكا وهي الحواس ، أو بالتدبر في علم الحس وما أظهر الدليل ، وليس في شيء من المحسوس إيجاب ذلك ، ولا كان فيه مما يستخرج بالتأمل حقيقة الإرجاء أنه فيمن لا يسمي الخيرات إيمانا ، ولا قوة إلّا باللّه .
بل ذلك في الحقيقة مذهبهم حين أرجوا دينهم ولم يشهدوا لأنفسهم واستثنوا في ذلك ، ولا قوة إلّا باللّه .
وقالت المعتزلة : المرجئة هي التي أرجت الكبار ، لم تنزل أهلها نارا ولا جنة .
قال الشيخ رحمه اللّه : هذا الذي قالوه حق في لزوم إرجاء تلك الأعمال . لكن المروي بالذمّ ليسوا هم إن ثبت خبر الذم ، وهذا هو الحق . وعن مثله سئل أبو حنيفة رحمه اللّه : مم أخذت الإرجاء ؟ فقال : من فعل الملائكة ، حيث قيل لهم :
أَنْبِئُونِي