المختلفة به كالسمع والبصر والفهم واليد والرّجل ، وغيرها مما ينكر مثله في تلك الجملة بالأدلة .
ثم يقال له : لا يعدو كون الشيء من الشيء من أن يكون مستجنا فيه فظهر ، ومحال أن يكون الإنسان بكلّيته ، والشجر بكلّيته - مع ما يثمر - في ذلك الأصل ، أو جميع البشر بجوهرهم يكونون في أصل الماء الذي كان في صلب ، فيسع الشيء الواحد ما لا يحصى من الأضعاف ، وذلك مما لا يحتمل تمثّله في نفس صحيحة ولا يصبر عليه عقل سليم ، وذلك يبطل قوله كون الشيء من الشيء ؛ لأنه بكليّته لم يكن من النطفة .
وليس له أن يدعي كونه في الأغذية ؛ لأنه يبلغ في وقتا في العظم لا يزداد البتة ، وتلك الأغذية كلها موجودة أو فيها زيادة بالجوهر ، وكم من جوهر يسمّن ، وآخر يأكل ذلك عمره فلا يظهر ، وترى التّوت وورقه يأكله نعم فيخرج من كلّ غير الذي يخرج من غيره ، وكذلك التّمر وغيره ، فهذا يبين أن ذلك ليس بعمل الأغذية . على أن الأغذية هنّ موات ، لا يحتمل أن تصير كذلك إلا بتدبير مدبر عليم لا أن استفاد ذلك المعنى من غيره بلا تدبير ، وفي ذلك لزوم القول بالذي قلنا .
أو إن كان حدث شيء منه أو بعضه - لا أن كان في شيء مما ذكر - فيجب القول بحدث العالم بما لزم في بعضه .
ثم يقال لهم : إذ كل مشاهد ذو نهاية ، وجعلتموه دليل العالم ، لم لا كان الكل كذلك ؟ وإلا لو جاز كون شيء منه متناه ، وجملته لا ، لم لا جاز كون شيء منه عن شيء وجملته لا ؟ وكذلك نرى بعضه لبعضه مكانا ، ولا يحتمل جملته المكان لزوال الحمل ، ولا قوة إلّا باللّه ، وفي ذلك لزوم الحدث .
وما ذكرنا من البقاء قد بيّناه فيما تقدم .
وما ذكر من التوهم فكذلك ما من وقت يتوهّم إلا وأمكن توهّم كونه من بعد ، فيجب به حدثه ، مع ما إذا لم يجعل لأوليّته وقت يبطل كله .
وبعد ، فإنه لو جاز إخلاء العالم أو أصله عما يحتمل من الحوادث لجاز أيضا قلب كل معقول ، من جواز حيّ وميت في حال ، فثبت حدث الكليّة بما لا يخلو عنه ، ولا قوة إلّا باللّه .
قال الشيخ رحمه اللّه : وما ذكر من الخروج عن المعقول بما لا يتصوّر في الوهم فقد بينا .
وبعد : فإن ذلك عقل خصّ به من لا عقل له ، لأنه طلب معرفة ما ليس طريقه الحس بالحس ، فهو كمن يريد أن يميز بين الأصوات بالبصر وبين الألوان بالسمع ، وكذا كل معروف بحس أحب أن يعقل ذلك بغيره فيقصّر عنه عقله ، فمثله ما كان
التوحيد — صفحة 27
مساهمون: أبي منصور الماتريدي
ص٢٧