على أن الآية نزلت في المنافقين بقوله :
فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ
[ النور :
13 ] ، ولا كل قاذف كذلك . وجملة ذلك أن من اجترى على ذلك القول واستخف بمقت اللّه ولعنه حلت به . والأصل أن الكفر هو الطرد ، ولا كل مطرود بارتكاب مأثم ، ولا يقبل لو عذب قدر ما استوجب ، ولا كل من يقول عليه لعنة اللّه يستحقها ، ولو كان أحد يستحقها كان أحقها بها صاحب هذا القول ؛ إذ هو معلوم أنه كان يتعاطى الفسق ويختلف إلى الأئمة الحائرة ، وكل ذلك على مذهبه يوجب اللعن حقيقة ، وما في الآية قول اللعن لا حقيقة الوقوع ، ولا قوة إلّا باللّه .
ثم احتج بقوله :
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
[ النساء : 14 ، الأحزاب : 36 ، الجن : 23 ] في تعطل الحدود ، وقد ذكر في مثله الخلود في النار من غير ذكر كبيرة ولا صغيرة . فإن كان ذا على التأويل فمثله الأول . مع ما قال اللّه في مثله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
[ المائدة : 44 ] ، فذلك أيضا في تعطيل الحدود ، وهو يأبى القول به ، ويصرف الآية إلى الاستحلال ، فمثله الذي ذكر ، ومثله في احتجاجه بقوله :
أَضاعُوا الصَّلاةَ
[ مريم : 59 ] ، مع ما قال اللّه تعالى :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ
[ التوبة : 11 ] ، وما ذكر من الأخوة والتحلية واجب بالقبول دون الفعل ، فكذلك الإضاعة تكون بالرد دون التأخير ، ولا قوة إلّا باللّه .
وقد قال اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
[ الأنفال :
72 ] ، وقال :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
[ النساء : 94 ] ، ثبت أن الذي يقوله لا يزيل الإيمان ولا اسمه ، واللّه أعلم .
وقد احتج بقوله :
فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ
[ التوبة : 11 ] ، لكنا بينا أن ذلك في حق القبول ؛ إذ لو ينتظر الفعل به لكان لا يجب الأخوة أبدا ولا يخلى سبيلهم وفي الإعياء إلى حول ، وذلك مما لا معنى له . وقد بينا أمر الهجرة ، وأنها كانت من الفرائض التي جاء في التخلف عنها الوعيد الشديد ، ثم قد أثبت اسم الإيمان مع عدم ذلك ، واللّه أعلم .
واحتج بقوله :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً
[ النساء : 93 ] ، وقوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ النساء : 29 ] ، وما ذكر في أكل مال اليتيم . فأما القتل العمد فله أوجه ثلاثة :
أحدها أن يكون فيمن تعمد القتل لدينه ، وهذا أحد وجوه الخطأ في القتل ، واللّه أعلم .
والثاني أن يكون ذلك جزاؤه ، وللّه التفضل عليه بالعفو والمقابلة بالحسنات ، ولا قوة إلّا باللّه .