تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
عن إرادته نقصانا ، وهو عجز ؟ فقال : إنما يعقب الكراهة لا النقصان ، قيل : كراهة النهي كذا ، والغلبة تحدث نقصانا ، وفي كتاب اللّه أيضا دليل الفرق بين المحبة والرضا ، وبين الإرادة والمشيئة بقوله :
وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ
[ الزمر : 7 ] ، وقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ
[ البقرة : 205 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
[ البقرة : 222 ] ،
لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
[ البقرة : 190 ] ، وقال في المشيئة :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ الأنعام : 39 ] ، وغير ذلك مما يوجب تخصيص المحبة والرضا وتعميم المشيئة والإرادة ، مع ما يوصف بهما في أفعاله ، ولا يوصف بالرضا والمحبة ، على أن المشيئة صرفها إلى القوة حتى جعلها بحكم القسر ، فلذلك قوتها توجب ذلك . والأصل في ذلك أن المحبة والسخط معنيان يوجبان بفعل العباد ، وليست المشيئة كذلك ؛ لما ليس في أفعال العباد معنى يوجب المشيئة ، إلا أن يراد بها الرضا أو التمني ، ولا قوة إلّا باللّه . وفي الشاهد قد يفعل الرجل ما لا يرضى به ولا يحبه ، ومحال حقيقة فعل لا يريده ، وكذا معنى الإرادة متقدم عندهم على الفعل ، وعندنا معنى يكون معه ، ولا وجه لها بعده ، وأمر الرضا والسخط والمحبة ونحو ذلك يكون من بعد في المتعارف أبدا ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم احتج بقوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ
[ البقرة : 185 ] ، ونحو ذلك ، وقال :
وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
[ البقرة : 185 ] ، والكفر أعسر العسر . قيل : الإرادة في هذا تخرج على الإذن والإباحة والرخصة ، ليس ذلك من أمر الإيمان في شيء ، فكذا إرادة العسر . وأيضا أنه لو كان على الأمرين فالوجه أن أولئك قوم قد آمنوا فلم يكن لهم في التحقيق غير الذي أراد ، فلو كان من الكافر أراد الإيمان لكان لا يكون سواه ، كما إذا أراد فيمن أراد الإيمان لم يكن غيره ، وعلى هذا قوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
[ الأنعام : 125 ] ، وأيّد ذلك قوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ
[ آل عمران : 176 ] ، وبيّن في المؤمنين :
وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ
[ الأنفال : 67 ] ، دل أن كل من أراد له الإيمان أن يكون فعله أراد له الآخرة ، ومن لم يرد لا ، ولا قوة إلّا باللّه . واحتج بقول اللّه تعالى :
وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ
[ غافر : 31 ] . قال الشيخ رحمه اللّه : فنقول كذلك ومن أراد عداوة إنسان له عداوة أو فعله الظلم قبيحا فاحشا ، فليس بمريد لهم الظلم بل أراد لهم العدل ، قال اللّه تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
[ ص : 27 ] ، ثم قال في إبليس :
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
[ فصلت : 42 ] ، سماه باطلا ، لا أنّ خلقه باطلا ، فمثله إرادة