تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

مسائل في الإرادة

مسألة الإرادة يمكن أن تلحق بمسألة خلق الأفعال من الوجه الذي لو ثبت خلقها ، واللّه مختار مريد لما يكون منه ، ثبت القول بالإرادة من الوجه الذي يوصف بالخلق ، وإن لم تثبت تبطل من الوجه الذي أريد بالإرادة في الأفعال دفع الغلبة والسهو ؛ إذ ذلك معنى حقيقة الإرادة في الشاهد ، إلا أن يراد بالإرادة التمني أو الأمر والدعوى أو الرضا ونحو ذلك مما يجوز أن لا يوصف اللّه ببعض ذلك في كل شيء وينقض ذلك في شيء البتة ، ولا قوة إلّا باللّه . ويمكن أن تفرد عن تلك بما أفردها أهل الكلام ، وإن كان الحق هو الأول . على أن في إيجاب القول بالإرادة في كل شيء إيجاب القول بخلق الأفعال ، مع ما يمكن الاستدلال في هذا بأشياء ليست في الأول ، وإن كان في تحقيق الكلام في هذه تحقيق في الأولى . قال اللّه تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[ الأنعام : 125 ] إلى قوله :
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
[ الأنعام : 125 ] ، أخبر أنه يريد هداية قوم بأفعالهم بهدايته ، وإضلال قوم بجعل قلوبهم ضيقة حرجة . وقال عز وجل :
مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ
[ الأنعام : 39 ] ، ففرق بين القوم بالمشيئتين ، فدلت الآيات على أن اللّه شاء لكل فريق بما علم أن يكون منهم ، ودل على أن المشيئة في هاتين الآيتين ليست بأمر ولا رضا . وقال تعالى :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
[ السجدة : 13 ] ، وقال :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
[ المائدة : 48 ] ، وقال :
فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ
[ الأنعام : 149 ] ، ولا يحتمل أن تكون هذه المشيئة رضا أو أمرا لما قد كانا ، ثبت أنه أراد به المشيئة التي يكون عندها فعل لا محالة ، ولا يحتمل أن تكون قد كانت وهو يقول : لو كان ليكون كذا ، وفي تحقيق الكون دون الموعود به كذب ، جل اللّه عن ذلك . ولا يحتمل تأويل القسر لأوجه : أحدها أن اللّه قد علمهم كيفية الهدى ، ومائية دينه ، وما به وجود حقيقته ، فلا يحتمل أن يريد بهذا ضد ذلك من غير أن يتقدم الإعلام في احتمال هذا الاسم ضد الذي هو اسمه في الحقيقة عندهم بتعليم اللّه ذلك لهم ، ولا قوة إلّا باللّه . والثاني أن طريق معرفة وحدانية اللّه والإيمان به وبرسله طريق الاجتهاد والاستدلال ، وذلك نوع ما لا يحتمل الاضطرار ، ولو جاز علم الاضطرار فيما ليس
التوحيد — صفحة 209 | أبي منصور الماتريدي