وليس ذلك الانتظار سببا للغمّ كما أنّ من ينتظر خلعة الملك حين وعد بها وتيقّن أنّها تصل إليه عن قريب لا يغتمّ ، لانتظاره ذلك ؛ وانتظار العقاب بعد الانذار بوروده غمّ عظيم يقتضي بسارة الوجه ، كمن ينتظر أن يعاقب حين تيقّن بورود العقاب عليه عن قريب . وقوله : « يجب إضمار الرؤية في النظر إلى الثواب بمعنى الانتظار » ليس بوارد ، لأنّ النظر عبارة إمّا عن الرؤية أو عن تقليب الحدقة . وتقليب الحدقة نحو الثواب بعد البشارة انتظارا لوصوله يكون من النعم كما بيّنا .
فلا يحتاج فيه إلى إضمار الروية .
قال : احتجّ الخصم بأمور : أحدها : قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
.
والاستدلال به من وجهين : الأوّل أنّ ما قبل هذه الآية وما بعدها مذكور في معرض المدح ، فوجب أن تكون هذه الآية مدحا ، فانّ إلقاء ما ليس بمدح بين المدحين ركيك . كما يقال : فلان أجلّ الناس وآكل الخبز وأستاذ الوقت .
وإذا كان نفى الادراك مدحا كان ثبوته نقصا ، والنقص على اللّه عز وجل محال .
الثاني أنّ قوله تعالى :
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ »
يقتضي أن لا تدركه الأبصار في شيء من الأوقات ، لأنّ قولنا « تدركه الأبصار » يناقض قولنا « لا تدركه الأبصار » بدليل أنّه يستعمل كلّ واحد من القولين في تكذيب الآخر . وإذا صدق أحد النقيضين كذب الآخر ، فوجب كذب قولنا « لا تدركه الأبصار » . وإذا ثبت ذلك ثبت كذب قولنا « يدركه بصر واحد أو بصران » ضرورة أن لا قائل بالفرق .
وثانيها : أنّه تعالى لو كان مرئيّا لرأيناه الآن . وثالثها : أنّه لو كان مرئيّا لكان مقابلا أو في حكم المقابل . وقولنا « في حكم المقابل » احتراز عن رؤية الانسان وجهه في المرآة وعن رؤية الأعراض .
والجواب : عن الأوّل أنّا نقول بموجب الآية ، لأنّ الادراك هو روية الشيء من جميع جوانبه ، لأنّ أصله من اللحوق ، وذلك إنّما يتحقّق في المرئىّ الّذي يكون له جوانب ، ولما كان ذلك في حقّ اللّه تعالى لا جرم يستحيل أن يكون مدركا فلم قلت : إنّه ليس بمرئىّ . وعن الثاني : أنّا بيّنا أنّ عند حضور المرئى