لامتناع انطباع العظيم في الصغير ، ولما رأينا القريب على قربه ، والبعيد على بعده .
فهذان الوجهان إنّما يلزمان من قال : المرئيّ هو الصورة المنطبعة فقط . أمّا من جعل انطباع الصورة الصغيرة في الحدقة شرطا لإدراك المرئيّ الكبير في الخارج لا يرد عليه ذلك .
أقول : إنّما قال بالانطباع أرسطاطاليس وأصحابه ، وبيّنوا السبب في رؤية العظيم من بعيد صغيرا . وإبطاله بامتناع انطباع العظيم في الصغير غير صحيح ، لأنّهم لا يشترطون فيه انطباع العظيم نفسه أو مقداره ، بل قالوا بانطباع شبح منه . ولعلّ مقدار الشبح على صغر محلّه يقتضي إدراك ذي الشبح على عظمه . وذلك كما ينطبع في المرآة نصف السماء والأجرام التي فيه . وأمّا رؤية القريب على قربه والبعيد على بعده ، يعنى الأبعاد ، فلعلّ المنطبع في العين يكون على هيئة تفيد إدراك الأبعاد . ونحن لمّا تعذّر علينا أن نعبّر عنه استبعدناه ، مع أنّا نرى النقّاشين ينقشون صور الأجسام على السطوح على وجه يدرك الناظر فيها أعماق تلك الأجسام وأبعاد ما بينها .
قال :
مسألة الادراك عند حضور الشرائط العشرة غير واجب
الادراك عند سلامة الآلة وحضور المبصر وسائر الشرائط المشهورة غير واجب عندنا ، خلافا للمعتزلة والفلاسفة . لنا أنّا نرى الكبير من البعيد صغيرا ، وما ذاك إلّا لأنّا نرى بعض أجزائه دون البعض مع استوائها بأسرها في كلّ الشرائط ، ولأنّا لمّا رأينا الجسم الكبير فقد رأينا كلّ واحد من أجزائه ويستحيل أن يكون رؤية كلّ واحد من تلك الأجزاء مشروطة برؤية الجزء الآخر ، وإلّا وقع الدور .
فرؤية كلّ واحد منها غنيّة عن رؤية الآخر . واحتجّوا بأنّه لو لم يجب ذلك لجاز أن يكون بحضرتنا شموس وجبال ، ونحن لا نراها . الجواب أنّه معارض بجميع العاديّات .