أقول : إن كانت القدرة عبارة عن سلامة الأعضاء ، فالعجز عبارة عن آفة تعرض للأعضاء ويكون حينئذ وجوديّا . والقدرة أولى بأن لا تكون وجوديّة ، لأنّ السلامة عدم الآفة . وان كان العجز ما يعرض للمرتعش وتمتاز به حركة المرتعش عن حركة المختار ، فالعجز وجوديّ . ولعلّ الأصحاب ذهبوا إليه . أمّا إن كانت القدرة هيئة تعرض عند سلامة الأعضاء يعبّر عنها بالتمكّن أو بما هو علة له ، والعجز عدم تلك الهيئة ، فالقدرة وجوديّة ، والعجز عدميّ .
قال :
4 ومنها الإرادة والكراهة
ومن الناس من زعم أنّ الإرادة عبارة عن علم الحىّ أو اعتقاده أو ظنّه بأنّ له فيه منفعة . وهو باطل ، لأنّا نجد من أنفسنا ميلا مرتّبا على هذا العلم فيتغايران .
والفرق بين الإرادة والشهوة أنّ الانسان ينفر طبعه عن شرب الدواء ، ثمّ يريده .
أقول : القائل بهذا لا يقتصر على هذا ، بل يزيد فيه بقوله « بأنّ له أو لغيره ممّن يؤثر خيره ، فيه منفعة يمكن وصولها إليه أو إلى ذلك الغير من غير مانع من تعب أو معارضة » . ثمّ في وجود ميل يترتّب على هذا الاعتقاد مغاير له ، نظر قالوا : هذا الميل يحدث لمن لا يقدر على تحصيل ذلك الشيء قدرة تامّة فيحصل له ميل إلى شيء يريد حصوله ولا يحصل بحسب ما يتمنّاه . وذلك مثل الشوق إلى المحبوب لمن لا يصل إليه . أمّا في القادر التامّ القدرة يكفى الاعتقاد المذكور .
قال :
مسألة إرادة الشيء يلزمها كراهة ضده بشرط التفطن للضد
منهم من قال : إرادة الشيء يلزمها كراهة ضدّه . وهو باطل ، لأنّه قد يراد الشيء حالة الغفلة عن ضدّه .
أقول : الصواب أن يقال : إرادة الشيء يلزمها كراهة ضدّه ، بشرط التفطن للضدّ .