أقول : قد أنصف هاهنا في تشبيه هذه الشبهة بتلك الشبه ، إلّا أنّه كان يجب أن يوردها هناك ، فانّ هذا الموضع موضع التحقيق ، لا التشكيك .
قال :
مسألة الممكن لا يوجد ولا يعدم الا بسبب منفصل
الممكن لا يوجد ولا يعدم الا بسبب منفصل ، لأنّهما لمّا استويا بالنسبة إليه استحال الترجيح إلّا لمنفصل .
فان قيل : قولكم « لمّا استويا امتنع الترجيح إلّا لمرجّح » إن ادّعيت أنّه أمر بديهىّ ؛ فهو ممنوع ، فانّا لمّا عرضنا هذه القضيّة على العقل مع قولنا :
« الواحد نصف الاثنين » ، وجدنا الثانية أظهر ، والتفاوت يدلّ على تطرّق الاحتمال بوجه ما إلى الأوّل ، ومع قيام احتمال النقيض لا يبقى اليقين التامّ ؛ فان ادّعيت أنّه برهانىّ فأين البرهان ؟ سلّمنا صحّة ما ذكرته ، لكنّه معارض بأمور :
معارضات اربع على بداهة لزوم المرجح
أولها لو افتقر الممكن إلى المؤثّر لكانت مؤثّريّة المؤثّر في ذلك الأثر إمّا أن تكون وصفا ثبوتيّا ، أو لا تكون ، والقسمان باطلان ، فالقول بالمؤثريّة باطل .
وإنّما قلنا : « إنّه يستحيل أن يكون ثبوتيّا » ، لأنّ ثبوته إمّا في الذهن فقط ، أو فيه وفي الخارج .
والأوّل باطل ، لأن الّذي وجد في الذهن ولا يكون مطابقا للخارج جهل ، كمن اعتقد « أنّ العالم قديم » مع أنّه لا يكون في نفسه كذلك ، فلو كان حكم الذهن بالمؤثريّة غير مطابق للخارج كان ذلك الحكم جهلا ، فلا يكون الشيء في نفسه مؤثّرا ؛ ولأنّ كون الشيء مؤثّرا في غيره صفة لذلك الشيء فكانت حاصلة قبل الأذهان ، وصفة الشيء يستحيل قيامها بغيره ، إلّا أن يقال : الموجود في الذهن هو العلم بالمؤثريّة ، لكن ذلك لا يفيد ، كما تقدّم .