فأما قوله :
« وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ »
فلنا في الكلام عليه وجهان :
أحدهما - أن ننازع في أن السبق هاهنا هو السبق إلى الاسلام .
والآخر - أن نسلم ذلك ، ونبين أنه لا حجة في الآية على ما يدعونه والوجه الأول - بين ، لأن لفظ السابقين في الآية مطلق غير مضاف .
ويحتمل ألّا يكون مضافا إلى إظهار الاسلام واتباع النبي صلّى اللّه عليه وآله ، بل يكون المراد به السبق إلى الخيرات والتقدم في فعل الطاعات ، ويكون قوله ( الأولون ) تأكيدا لمعنى السبق ، كما يقولون : فلان سابق في الفضل أول ، وسابق إلى الخيرات سابق ، ويؤكدون باللفظتين المختلفتين وقد قال اللّه تعالى
« وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ »
« 1 » وقال تعالى
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا ، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ، وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ »
« 2 » .
فان قيل : إذا كان المراد ما ذكرتم فأي معنى لتخصيص المهاجرين والأنصار ، لولا أنه أراد السبق إلى الاسلام .
قلنا : لم يخص المهاجرين والأنصار دون غيرهم ، لأنه تعالى قال
« وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ »
وهذا عام في الجميع . على أنه لا يمتنع أن يخص المهاجرين والأنصار بحكم هو لغيرهم : اما لفضلهم وعلو شأنهم أو لغير ذلك من الوجوه .
واما الوجه الثاني - فالكلام فيه أيضا بين ، لأنه إذا سلم أن المراد بالسبق هو : إلى إظهار الاسلام ، فلا بد من أن يكون مشروطا بالاخلاص في الباطن لأن اللّه تعالى لا يعد بالرضا من اظهر الاسلام ولم يبطنه ، فيجب أن يكون الباطن معتبرا ومدلولا عليه فيمن يدعى دخوله تحت الآية حتى يتناوله الوعد بالرضا
هامش
( 1 ) سورة الواقعة : / 10 - 11
( 2 ) سورة فاطر : / 32