- 5 -
[ انتقال شيخ الطائفة بعد الفتنة إلى النجف الأشرف ]
ولمّا رأى شيخنا قدس سره توسع الفتنة في بغداد ، وخشي الخطر على نفسه - بعد أن ذهبت جميع أمواله وكتبه ضحية الحقد البغيض وأكلة لنار التعصب الطائفي - خرج بأهله وولده لاجئا إلى قبر الإمام علي بن أبي طالب في النجف الأشرف وذلك سنة 450 ه .
[ تاريخ النجف قاحل قبل ورود الشيخ لها قدس سره ]
وكانت مدينة الإمام علي عليه السّلام - قبل هذا التاريخ - قاحلة من كل شيء مقفرة من كل أنيس ، لو استثنينا بعض البيوتات البسيطة المحيطة بالحرم العلوي المقدس للتعيش من ذلك على أيدي بعض الزائرين والرحالين - . وتقع العين - أحيانا - على ذكوات بيض ، وأكم من الرمل ، وقبور قليلة ، متفرقة الأمكنة تحيط بالصحن الشريف تبركا بحسن الجوار ، فيحسبها الرائي - من بعيد - أنها أطناب وبيوت .
ولم يذكر لنا التاريخ - قبل هذه الفترة - عن هذه المدينة شيئا يستحق الاعجاب ويثير الانتباه الا ما كان يتعلق بالحرم العلوي المطهر .
وبهذا يعتذر عن أولئك الذين مروا على تاريخ النجف - قبل تأسيسها على يد شيخنا الطوسي - مرّ الكرام ، إذ لم يشاهدوا بها ما يسترعي عنايتهم ويطلق اعجابهم سوى قبر الإمام علي عليه السّلام ، فتحدثوا عن ذلك فحسب بما أوحى لهم ضميرهم الملتوي ، وانطلق بهم واقعهم المشوّه : بغض النظر عن شخصية الإمام علي عليه السّلام ، أو التشكيك في مدفنه ، أو غير ذلك مما يبعث على الجهل - أحيانا - والتجاهل - على الأكثر - .
ولكن النجف - بعد حين - أصبحت - ببركة هذا الرجل العظيم ومواصلة جهاده الاسلامي في ذات اللّه - مثارا للاعجاب ، ومنارا للعالم المحتضر حيث جعل منها دارا للعلم ، ومعهدا للتدريس ، وجامعة اسلامية كبرى