تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تكملة شوارق الألهام — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
ثم أقول من رأس في بيان الامتياز بين الإرادتين : إن كان متعلّق الإرادة أمورا عينيّة ، فهي إرادة تكوينيّة لا تتخلّف عن المراد ، وإن كان أمورا وهميّة قانونيّة لا وجود لها إلّا في ظرف الاعتبار مثل الأحكام الموضوعة من التكليفيّة والوضعيّة ، فهي إرادة تشريعيّة قانونيّة لا وجود لها إلّا في حوزة الاعتبار ، وأزمّة إيجاد متعلّقات الأحكام والمرادات بأيدي العباد المكلّفين وفي اختيارهم ، فإن دانوا لها واعتنقوها عملا كانوا طائعين ، فلهم الثواب ، وإن أدبروا واستكبروا ، صاروا عاصين ، فعليهم العقاب ، فالمغالطة من باب اشتراك الاسم . قول المصنّف قدّس سرّه : « العلم تابع للمعلوم » إشارة إلى مشاغبة أخرى للأشاعرة وذلك أنّهم احتجّوا على كون أفعال العباد اضطراريّة ، بأنّ اللّه تعالى عالم في الأزل بصدور الأفعال عن العباد فيمتنع عدم الصدور فيجب الصدور عنهم ؛ طبقا بل تبعا لعلمه تعالى تبعيّة المعلول للعلّة ، وإلّا لزم التخلّف ، فتكون أعمالهم مخلوقة له تعالى ، وهو قوله سبحانه :
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ . *
« 1 » والجواب : أنّ العلم - كما سبق في الفصل الخامس من المقصد الثاني من الكتاب - تابع للمعلوم ؛ حيث إنّ علمه الأزلي بصدور الأفعال عن العباد قد تعلّق بها بما لها من المبادئ ومنها الاختيار . وبعبارة أخرى : إنّما تعلّق علمه تعالى بالنظام الكوني على الترتيب العلّي والمعلولي ، ولم يتعلّق بالعلّة في عرض المعلول ولا بالمعلول بلا وسط ، حتى يقال : إنّ العبد الفاعل مضطرّ في فعله ؛ فإنّه - سبحانه وتعالى - علم في الأزل بصدور الفعل من العبد بما له من الأوساط والأسباب ، وأبى اللّه تعالى أن يجري الأمور إلّا بأسبابها ، فعلمه تعالى تعلّق بالنظام الأحسن على الترتيب المذكور ، فليس ولا يكون علمه - عزّ وجلّ - علّة لفعل العبد بلا وسطية اختياره ، فلا ينافي علمه الأزليّ كون الإنسان فاعلا مختارا : « علم أزلي علت عصيان نبود » . ومعنى كون العلم تابعا للمعلوم هنا ليس بمعنى التأخّر بل المراد أصالة الموازنة في التطابق نعني به أنّ كلّ واحد منهما موازن بالآخر والأصل في هذا التطابق هو المعلوم وشأن
هامش
( 1 ) . الرعد ( 13 ) : 16 ؛ الزمر ( 39 ) : 62 .