62 باب ما جاء أن أرواح الشهداء في الجنة دون أرواح غيرهم
يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر : « هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » وهذه حالة مختصّه بغير الشهداء .
وفي « صحيح مسلم » عن مسروق قال : سألنا عبد اللّه بن مسعود عن هذه الآية :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ آل عمران : 169 ] فقال :
أما إنا قد سألنا عن ذلك فقال : « أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ونحن نسرح في الجنة حيث نشاء ؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرّات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا : يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا » « 1 » .
فصل
قلت : وهنا اعتراضات خمسة :
الأول : إن قيل : ما قولكم في الحديث الذي ذكرتم : « ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه السلام » ؟ قلنا : هو عموم يخصصه ما ذكرنا ، فهو محمول على غير الشهداء .
الثاني : فإن قيل : فقد روى مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري ، أنه أخبره أن أباه كعب بن مالك كان يحدّث أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه اللّه إلى جسده يوم يبعثه » « 2 » . قلنا : قال أهل اللغة : تعلق بضم اللام تأكل ، يقال : علقت تعلق علوقا .
ويروى يعلق بفتح اللام وهو الأكثر ، ومعناه : تسرح . وهذه حالة الشهداء لا غيرهم ، بدليل الحديث المتقدم ، وقوله تعالى :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
ولا يرزق إلا حيّ ، فلا يتعجل الأكل والنعيم لأحد إلّا للشهيد في سبيل اللّه ، بإجماع
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم ( 1887 ) .
( 2 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 1 / 156 / 49 ) - كتاب الجنائز ( 16 ) ، باب جامع الجنائز ( 16 ) .
وغيره ، وهو في « الصحيحة » تحت رقم ( 995 ) .