معارض لها . وجاء فيما تقدم من الآثار ؛ أن الكافر يفتن في قبره ويسأل ويهان ويعذب .
قال أبو محمد عبد الحق : « واعلم أن عذاب القبر ليس مختصّا بالكافرين ، ولا موقوفا على المنافقين ، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين ، وكلّ على حاله من عمله وما استوجبه من خطيئته وزلله ، وإن كانت تلك النصوص المتقدمة في عذاب القبر إنما جاءت في الكافر والمنافق » .
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب « التمهيد » « 1 » : « الآثار الثابتة تدل على أن الفتنة في القبر لا تكون إلا لمؤمن أو منافق مما كان في الدنيا منسوبا إلى أهل القبلة ودين الإسلام ، وممن حقن دمه بظاهر الشهادة ، وأما الكافر الجاحد المبطل فليس ممن يسأل عن ربه ودينه ونبيه ، وإنما يسأل عن هذا أهل الإسلام واللّه أعلم » . فيثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت ويرتاب المبطلون .
قال ابن عبد البر : « وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن هذه الأمة تبتلى في قبورها » ومنهم من يرويه : تسأل ، وعلى هذا اللفظ يحتمل أن تكون هذه الأمة خصّت بذلك ، وهذا أمر لا يقطع عليه ، واللّه أعلم » .
وقال أبو عبد اللّه الترمذي في « نوادر الأصول » : « وإنما سؤال الميت في هذه الأمة خاصة ، لأن الأمم قبلنا كانت الرسل تأتيهم بالرسالة فإذا أبوا كفت الرسل ، واعتزلوا وعوجلوا بالعذاب ، فلما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالرحمة وأمانا للخلق ، فقال :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
[ الأنبياء : 107 ] أمسك عنهم العذاب وأعطى السيف حتى يدخل في دين الإسلام من دخل لمهابة السيف ، ثم يرسخ في قلبه ، فأمهلوا ، فمن هنا ظهر أمر النفاق فكانوا يسرّون الكفر ويعلنون الإيمان ، فكانوا بين المسلمين في ستر ، فلما ماتوا قيّض اللّه لهم فتّاني القبر ليستخرج سترهم بالسؤال ، وليميز اللّه الخبيث من الطيب ، فيثبت الثابت في الحياة الدنيا ويضل اللّه الظالمين » .
قال المؤلف : قول أبي محمد عبد الحق أصوب - واللّه أعلم ، فإن الأحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على أن الكافر يسأله الملكان ، ويختبرانه بالسؤال ويضرب بمطارق من حديد على ما تقدم - واللّه أعلم .
* * *
هامش
( 1 ) . ( 22 / 252 ) .