حينئذ معنى قوله : « والواسطة غير معقولة » أنّ الواسطة بين الواجب والحادث - بمعنى أنّه لا يمكن استناد الحادث إليه - غير معقولة ؛ لكونه منه ولو بالإمكان وذلك كاف ، أو نقول بأنّه قد يكون موجبا بالنسبة إلى غير الحادث ، مختارا بالنسبة إليه ، وهو واسطة بين قول الحكيم والمتكلّم ، فهي أيضا غير معقولة ؛ لأنّه إمّا قادر أو موجب .
ثمّ إنّه يتراءى من قوله : « ولمّا لم يثبت عند المصنّف » « 1 » أنّه يعترض على المصنّف بالتنافي والتناقض ؛ حيث قال : لا دليل على امتناع العقل « 2 » ، مع أنّه قال : لا قديم سوى الله ، وأنّ جميع ما سوى الله حادث « 3 » .
وهو بريء عن ذلك ؛ فإنّ مجرّد تجويز العقل من حيث هو هو لا يدلّ على عدم امتناعه والدليل عليه على تقدير قدمه ، وهو ظاهر وإن قال القائل بوجود العقل بقدمه وأنّ الحادث إنّما يكون ماله مادّة ومدّة على ما ذكر في شرح المواقف وغيره « 4 » ، ولم يلزم قول المصنّف « 5 » بذلك ، وهو ظاهر .
ثمّ اعلم أنّ الدليل المذكور منقوض - خصوصا على ما ذكره في المواقف « 6 » - بكونه مختارا فينفيه أيضا ؛ لأنّه ينقل الكلام إلى الإرادة ، فيلزم التسلسل ، أو استغناء الحادث عن المؤثّر والترجيح بلا مرجّح ، أو نفي الحادث ؛ فإنّ الإرادة بمنزلة شرط حادث . وهذا من أعظم أدلّتهم وأقواها على الإيجاب .
قال في المواقف : « احتجّ الحكماء - ( أي على إيجابه تعالى ) - بوجوه كثيرة :
هامش
( 1 ) . « شرح تجريد العقائد » : 310 .
( 2 ) . قال المحقّق نصير الدين : « أمّا العقل فلم يثبت دليل على امتناعه ، وأدلّة وجوده مدخولة » . انظر : « تجريد الاعتقاد » : 155 .
( 3 ) . « تجريد الاعتقاد » : 120 . وفيه : « ولا قديم سوى الله » .
( 4 ) . « شرح المواقف » 4 : 5 - 6 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 14 .
( 5 ) . قال في « تجريد الاعتقاد » : 120 : « ولا يفتقر الحادث إلى المدّة والمادّة وإلّا لزم التسلسل » .
( 6 ) . « المواقف » ضمن « شرح المواقف » 8 : 53 .