بخلاف ذلك فإنّه كالسماء التي هي علّة لعلمنا بها ؛ فإنّ وجودها علّة لعلمنا ، وقياس الموجودات مع « 1 » علمه كقياس الموجودات التي نستنبطها بأفكارنا ، ثمّ نوجدها ؛ فإنّ الصور الموجودة من خارج علّتها الصور المبدعة في أذهاننا ، ولكنّ البارئ تعالى لم يكن يحتاج إلى استعمال آلة وإصلاح مادّة ، بل كما يتصوّر يجب وجود الشيء بحسب التصوّر .
وأمّا نحن ، فنحتاج - مع التصوّر - إلى استعمال آلات ، ونحتاج إلى شوق إلى تحصيل ذلك المتصوّر وطلب لتحصيلها ، فالأوّل غنيّ عن كلّ هذا .
تعليق . شبّه طاعة الموادّ والموجودات لتصوّره سبحانه بأن نتصوّر شيئا ، فإذا حصل منّا الإجماع لطلبه ، انبعثت القوّة التي في العضلات إلى تحريك الآلات من دون استعمال آلة أخرى في تحريك تلك الآلات . وهذا معنى قوله جلّ وعلا :
كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » . « 3 »
تعليق . العلم هو حصول صور المعلومات في النفس ، وليس يعنى به أنّ تلك الذوات تحصل في النفس ، بل آثار منها ورسوم ، وصور الموجودات مرتسمة في [ ذات ] « 4 » البارئ تعالى ؛ إذ هي معلولات ، وعلمه بها سبب وجودها « 5 » .
وقال في رسالة منسوبة إليه : اعلم أنّ المعلوم ليس هو الصورة الموجودة من خارج وجودا عينيّا ؛ لأنّه لو كان كذلك ، لكان كلّ موجود وجودا عينيّا معلوما لنا ، ولكنّا لا نعلم المعدوم : لكنّا نحكم عليه حكما تصديقيّا ، كما نحكم على الخلاء بأنّه
هامش
( 1 ) . في « شوارق الإلهام » : « قياس الموجودات إلى علّتها » .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 117 ؛ آل عمران ( 3 ) : 47 و 59 ؛ الأنعام ( 6 ) : 73 ؛ النحل ( 16 ) : 40 ؛ مريم ( 19 ) : 35 ؛ يس ( 36 ) : 83 ؛ غافر ( 40 ) : 68 .
( 3 ) . « التعليقات » : 192 .
( 4 ) . الزيادة أثبتناها من المصدر .
( 5 ) . « التعليقات » : 82 .