فقلت : زدني .
فقال : ألست تدرك بدنك الذي تتصرّف فيه إدراكا مستمرّا لا تغيب عنه ؟ فقلت :
بلى .
قال : أبحصول « 1 » صورة شخصيّة في ذاتك وقد عرفت استحالته ؟ فقلت : لا ، بل على أخذ صفات كلّيّة ، قال : وأنت تحرّك بدنك الخاصّ ، وتعرفه بدنا خاصّا جزئيّا ، وما أخذت من الصورة نفسها لا يمنع وقوع الشركة فيها ، فليس إدراكك لها إدراكا لبدنك الذي لا يتصوّر أن يكون مفهومه لغيره .
ثمّ أما قرأت من كتبنا أنّ النفس تتفكّر باستخدام المفكّرة وهي تفصل وتركّب الجزئيّات وترتّب الحدود الوسطى ؟ والمتخيّلة لا سبيل لها إلى الكلّيّات ؛ لأنّها جزئيّة « 2 » .
فإن لم يكن للنفس اطّلاع على الجزئيّات ، فكيف تركّب مقدّماتها ؟ ! وكيف تنزع الكلّيّات من الجزئيّات ؟ ! وفي أيّ شيء تستعمل المتفكّرة ؟ وكيف تأخذ الخيال ؟
وما ذا يفيدها تفصيل المتخيّلة ؟ وكيف تستعدّ بالفكر للعلم بالنتيجة ؟ ثمّ المتخيّلة جزئيّة « 3 » كيف تدرك نفسها والصورة المأخوذة عنها في النفس كلّيّة ؟ وأنت تعلم بتخيّلك ووهمك الشخصين الموجودين ودريت أنّ الوهم ينكرها « 4 » .
قلت : فأرشدني جزاك الله عن زمرة العلم خيرا ، قال : وإذا دريت أنّها تدرك لا بأثر يطابق ولا بصورة ، فاعلم أنّ التعقّل حضور الشيء للذات المجرّدة عن المادّة .
وإن شئت قلت : عدم غيبته عنها ، وهذا أتمّ ؛ لأنّه يعمّ إدراك الشيء لذاته وغيره ؛ إذ الشيء لا يحضر لنفسه ولكن لا يغيب عنها . أمّا النفس ، فهي مجرّدة غير غائبة عن ذاتها ، بقدر تجرّدها أدركت ذاتها وما غاب عنها ، إذا لم يكن لها استحضار عينه
هامش
( 1 ) . في المصدر المذكور : « الحصول » .
( 2 ) . في المصدر : « الجرمية » .
( 3 ) . في المصدر : « الجرمية » .
( 4 ) أي ينكر المتخيّلة بل نفسها أيضا أعني الواهمة ، والإنكار لا يحصل إلّا بالإدراك . ( منه رحمه اللّه ) .