هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان قد آيس من عبادته إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى إلّا أنّك لست نبي ولكنك وزير وإنّك لعلى خير » « 1 » .
ولم يكن زيد ، إلّا محدِّثاً واعياً ، وفقيهاً بارعاً وله من العلم والفضل ، ما للطبقة العليا من تلاميذ أبيه وأخيه غير أنّ الذي رفعه ، وأخلد ذكره ، إنّما هو جهاده ونضاله ، وتفانيه في سبيل اللَّه :
« فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً »
« 2 » ، ولا صلة له بعلمه وفضله ، ولو قيس ما روى عن الإمام زيد من الحديث والفقه ، إلى ما روى عن الصادقين من العلوم والمعارف لعلم أنّ الأولى أن ينسب ذلك الكلام إلى الإمامين لا إلى زيد ، ولكنّهما لم يبوحا بذلك أبداً .
تكتيب الكتائب والهجوم على الكوفة والحيرة :
غادر زيد ليلة الأربعاء ، دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري ، واستقر خارج الكوفة فأمر برفع الهرادي « 3 » فيها فكلما أكل النار هردياً ، رفعوا آخر فما زالوا كذلك حتى طلع الفجر فلما أصبح ، أمر بعض أصحابه النداء وبالشعار لغاية تقاطر المبايعين إلى النقطة التي استقر فيها لإرسال الكتائب منها إلى الكوفة والحيرة ولفتح البلدين ، ومحاربة المانعين من أبناء البيت الأموي وأنصارهم ، فكان التخطيط تخطيطاً عسكرياً بارعاً لولا أن القضاء سبق التدبير ، وتسرب أسرار الثورة إلى الخارج ، وحالت العامل وخليفته ، بينه وبين وثوب الناس واجتماعهم لديه .
أصبح زيد وتعجب من قلة الحاضرين « 4 » وقال : أين الناس ، فقيل له : هم
هامش
( 1 ) . الرضي : نهج البلاغة ، الخطبة القاصعة : برقم 192 .
( 2 ) . النساء : 95 .
( 3 ) . القصب .
( 4 ) . الحاضرون : حسب ما نقله الطبري كانوا مائتين وثمانية عشر رجلًا : التاريخ : 5 / 500 .