الاعتزال ، فأراد أن يتّخذ طريقاً وسطاً بين المذهبين ، ولكنّه بدلًا من أن يستعمل ذلك السِّلاح في نصرة الدين قام بمقاومة الاعتزال وهدمه ، ولم يفعل ذلك إلّا مجاراة للرأي العامّ وطمعاً في كسب عطفهم وتأييدهم ، وبالتالي خضع للقوى الرجعية إلى حدّ كبير ، فأمضى كلّ ما كان عليه الحنابلة من مسألة القدر والرؤية بحرفيّتها .
9 - إنّ جنوح السلطة إلى أصحاب الحديث من عصر المتوكِّل إلى آخر العبّاسيّين وتولّيهم عن المعتزلة دعاة العدل والتوحيد ، لم يكن خالياً عن الأهداف السياسيّة الّتي كانت لمصالح عروشهم وحكومتهم ، لأنّ من مبادئ أهل الحديث وجوب إطاعة السلطان الجائر وحرمة الخروج عليه ووجوب الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر ، إلى غير ذلك من الأحكام الّتي ذكرها إمام الحنابلة في عقيدة أهل الحديث ، ومن المعلوم أنّ هذا هو ما تتوخّاه السلطة ، فإنّ في ذلك دعماً لجورها واستبدادها .
وأين هذا من القول بالعدل والدعوة إلى التفكّر ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب الخروج على السلطان الجائر ونصب الإمام العادل ، إلى غير ذلك من الأُصول الّتي كانت المعتزلة تتبنّاها ولم تكن لصالح الحكومة .
هذا وذاك صار سبباً لرجوع السلطة إلى أهل الحديث وتقديمهم على المعتزلة .
بحوث في الملل والنحل — صفحة 638
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٦٣٨