تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
والتعقّل والاحتكام إلى العقل في مجال الطاعة والمعصية ، يقول سبحانه :
( أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ )
. « 1 » وأُقسم باللّه صادقاً أنَّ الدعوة الإسلامية لا تكون ناجحة في أقطار الغرب والشرق إذا كانت هذه الأُصول هي اللحمة والسدى لها . إنّ ملحمة الكنائس ومغادرة المثقفين من المسيحيّين عن دينهم هي العبرة لقادة الحنابلة ومن يقتفي أثرهم ، ولم يكن للهوّة السحيقة بين أصحاب الكنائس والمثقفين سبب ، سوى وجود الخرافات في تعاليم الكنائس ، فلم تزل تدعو إلى التثليث أوّلًا ، وإلى التجسيم ثانياً ، وصلب المسيح لأجل إنقاذ البشرية ثالثاً ، وبيع أوراق المغفرة رابعاً ، ونوع خاص من الجبر وسلب الاختيار خامساً ، هذا وذاك صار سبباً لانسحاب الشباب والعلماء عن ساحة الكنائس والبيع واختصاص الأماكن المقدّسة بالسذج من الناس الذين لا يعرفون من العلم والحياة سوى شيء طفيف . هذه نصيحتي لقادة الحنابلة ، وفي الأخير نضيف إليها كلمة وهي أنّ الحنابلة وأهل الحديث عمدوا إلى احتكار اسم « أهل السنّة » لأنفسهم ولا يصفون سائر الطوائف الإسلامية به ، حتّى إنّ ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن لا يبيح تسمية الأشاعرة باسم أهل السنّة فضلًا عن المعتزلة والشيعة وغيرهم ، ولكن في هذا الاحتكار بل في هذه التسمية نكتة لافتة : إنّ توصيف طائفة من المسلمين باسم أهل السنّة من العناوين الطارئة الحديثة التي ظهرت في آخر القرن الأوّل أو في أوّليات القرن الثاني ، فإنّك لا ترى أثراً من هذا الاسم ولا التوصيف به في زبر الأوّلين إلّا في رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر التي مرت بنصها في ما سبق « 2 » ، وقد عرفت أنّ كتابة الحديث وتدوينه والتحدّث به وإفشاءه كان من الأُمور المنكرة ، وهذا هو عمر بن الخطاب قال لأبي ذر وعبد اللّه بن مسعود وأبي الدرداء : ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد ؟ « 3 » وكان يقول أيضاً : جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن
هامش
( 1 ) . القلم : 35 و 36 . ( 2 ) . قد مرّت الرسالة في ص 292 من هذا الجزء . ( 3 ) . كنز العمّال : 10 / 293 ، الحديث 29479 .