تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
وذكر : إنّ الذي أوقعهم فيه تشتت الأهواء ، وترك كتاب اللّه تعالى ، ألم تر إلى قوله :
( قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ )
« 1 » . فافهم أيّها الأمير ما أقوله ، فإنّ ما نهى اللّه عنه فليس منه ، لأنّه لا يرضى ما يسخط ، وهو من العباد ، فإنّه تعالى يقول :
( وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ )
. « 2 » فلو كان الكفر من قضائه وقدره ، لرضي به ممّن عمله ، وقال تعالى :
( وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ )
« 3 » ؟ ! وقال :
( وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى )
« 4 » ولم يقل والذي قدّر فأضل ، لقد أحكم اللّه آياته وسنّة نبيّه عليه السَّلام فقال :
( قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي )
« 5 » . وقال :
( الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى )
« 6 » . ولم يقل ثمّ أضل ، وقال :
( إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى )
« 7 » ، ولم يقل إنّ علينا للضلال ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية ، ويقدره عليهم في السر ، ربّنا أكرم من ذلك وأرحم ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول :
( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ )
« 8 » . ولقال : اعملوا ما قدرت عليكم ، وقال :
( لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ )
« 9 » . لأنّه جعل فيهم من القوّة ذلك لينظر كيف يعملون ، ولو كان الأمر كما قاله المخطئون ، لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخّروا ، ولا كان لمتقدم حمد فيما عمل ، ولا على متأخّر لوم ، ولقال : جزاء بما عمل بهم ، ولم يقل جزاء بما عملوا وبما كسبوا ، وقال تعالى :
( وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها
هامش
( 1 ) . النمل : 64 . ( 2 ) . الزمر : 7 . ( 3 ) . الإسراء : 23 . ( 4 ) . الأعلى : 3 . ( 5 ) . سبأ : 50 . ( 6 ) . طه : 50 . ( 7 ) . الليل : 12 . ( 8 ) . فصلت : 40 . ( 9 ) . المدثر : 37 .