تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في الملل والنحل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
والمسلم غير العارف بالدين وما أُلصق به ، لا يميّز بين الحقيقة الناصعة وبين ما أُلبس عليها من ثوب رديء قاتم . وليس هذا أوّل ولا آخر مورد يجد الشاب الثوري صراعاً في نفسه بين العقلية الإنسانية والدعاية الكاذبة عن الإسلام ، فيختار وحي الفطرة ويصبح ثائراً على القوى الطاغية ، ويظن أنّه ترك الإسلام بظن أنّ المتروك هو الدين الحقيقي الذي أنزله اللّه تعالى على النبي محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ، وهذه الجريمة متوجهة بالدرجة الأُولى إلى هذا النمط من العلماء . فواجب علماء الدين أن يرجعوا إلى المصادر الإسلامية الصحيحة في تشخيص ما هو من صميم الدين عمّا أُلصق به ، ولا يقتنعوا بما كتب باسم الدين عن السلف الصالح ، وليس كلّ ما نسب إلى السلف الصالح ، أو قالوا به من صميم الدين ، كما أنّه ليس كلّ سلف صالحاً ، بل هم بين صالح وطالح ، وسعيد وشقي ، وعالم وجاهل ، وليس كلّ سلف أفضل وأتقى وأعلم من كلّ خلف ، فليذكروا المثل السائر : « كم ترك الأوّل للآخر » ، فليدرسوا الأُصول المسلّمة من رأس ، نعم لا أنكر أنّ هناك أُناساً واقفين على الحقيقة ولكنّهم يكتمونها ، لأنّ مصالحهم الشخصية لا تقتضي إظهارها ، وقد نزل فيهم قوله سبحانه :
( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ )
« 1 » ، كما أنّ بينهم شخصيات لامعة جاهروا بالحقيقة وأصحروا بها واشتروا رضا الرب بأثمان غالية وتضحيات ثمينة . فهذا إمام الحرمين يقول : إن الإمام إذا جار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه ، فلأهل الحل والعقد ، التواطؤ على ردعه ، ولو بشهر السلاح ونصب الحروب . « 2 » في الختام نعطف نظر القارئ الكريم إلى قوله سبحانه عندما يأمر
هامش
( 1 ) . البقرة : 159 . ( 2 ) . شرح المقاصد : 2 / 272 .