فكل من لم ينظر في هذه الآيات الموجودة في الآفاق والأنفس ، والدلالات « 1 » الباطنية فيها ، ولم يطلب حقائقها من أرباب الدين الذين هم المستنبطون ، ولم يتقبلها منهم بشكر وخضوع « 2 » ، فهو من الأبالسة والشياطين الذين ردّوا امر اللّه ، فاستوجبوا بذلك غضبه وخذلانه وحرمانه ، وهم الذين ذكرهم في قوله تبارك اسمه :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
اي اللواحق الذين حكى عنهم
اسْجُدُوا لِآدَمَ
اي اخضعوا للناطق ، وذلك ان ناطق كل دور من الادوار هو كآدم لأنه خلق من أديم الأرض ، اي ان علمه كان ظاهرا لعلم الباطن ، وذلك ان معنى أديم الأرض ما ظهر منها
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ
وقد ذكرنا تأويله فيما تقدّم من كتبنا ،
فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
اي خرج عن امر التالي الذي يربيه حتى صار ضدّا للناطق ،
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ
فذرية إبليس في القشرية هم تلامذة الأبالسة وشيعتهم الشياطين
بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا
وهم الذين وضعوا أنفسهم في غير مواضعها ، وذلك ان حد الظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فأخبرهم اللّه جل ذكره فيما ينظر إلى ما خلقه في الآفاق والأنفس من الدلالات « 3 » والآيات ، فلم يتفكروا فيها ، ولم يطلبوا حقائقها ، وتبرأ منهم ، وحرمهم مواهبه ورحمته وآياته ، فقال :
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
.
ألا ترى ان اللّه عز وجل لم يشهد إبليس وذريته وأولياءه ، خلق السماوات والأرض ، ولم يطلبوا حقائق علومها ، لأنه عز وجل هداهم ، ولكنهم اختاروا العمى عن الهدى ، وتركوا امر اللّه واتبعوا أهواءهم ، وشبهوا أنفسهم بالمؤيدين حين قالوا : ان كل مجتهد مصيب ، وقال تعالى :
وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً
اي لا استعين بهم بوجه من الوجوه ، ولا اتخذ منهم رسلا ولا أسسا ولا أئمة ولا لواحق ولا دعاة .
هامش
( 1 ) في نسخة م وردت والدلالة .
( 2 ) في نسخة س وردت بإخضاع .
( 3 ) في نسخة م وردت والدلالة .