فلم يلبث أن جاء ، فدخل عليه إبراهيم بن مقاتل بن سهل - وكان جميلا - ، فتأمله أبو العتاهية ، وقال متمثلا :
يا حسان الوجوه سوف تموتون * وتبلى الوجوه تحت التراب
فأقبل علي بن جبلة فقال :
اكتب يا مربيّ شبابه للتراب * سوف يأكل البلى بعض الثياب
يا ذوي الوجوه الحسان المصونات * وأجسامها الغضاض الرّطاب
أكثروا من نعيمها أو أقلّوا * سوف تهدونها لعفر التّراب
قد نعتك الأيام نعيا صحيحا * تفارق الإخوان والأصحاب
فقال أبو العتاهية : قل يا خالد ، قلت : معك ومع أبي الحسن . قال : نعم . فقلت :
يا مقيمين رحلوا للذهاب * أشفير القبور وحطوا الرّكاب
نعّموا الأوجه الحسان * فما صونكموها إلا بعفر التّراب
والبسوا ناعم الثّياب * ففي الحفر تعرون من جميع الثياب
قد ترون الشّباب كيف يموتون * إذا استنضروا بماء الشباب
قال « 1 » : وحدثني محمد بن خلف ، قال : سمعت أبي ، قال : رجعنا من ميّت مع ابن السماك ، فأنشأ ابن السماك يقول :
تمرّ أقاربي جنبات قبري * كأنّ أقاربي لا يعرفوني
وذوو الأموال يقتسمون مالي * ولا يألون إن جحدوا ديوني
قد أخذوا سهامهم وعاشوا * فباللّه ما أسرع ما نسوني
قال « 2 » : وأنشدني أبو جعفر القرشي :
تناجيك أجداث وهنّ سكوت * وساكنها تحت التّراب خفوت
يا جامع الدنيا لغير بلاغة * لمن تجمع الدنيا وأنت تموت
قال : وأنشدني الثقفي من قوله :
أما ترى الموت ما ينفكّ مختطفا * من كلّ ناحية نفسا ينجو بها
قد بغضت أملا كانت تؤمله * وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا التّرب تبلى فيه أعظمهم * بعد النّضارة ثمّ اللّه يحييها
هامش
( 1 ) « القبور » ( 165 ) .
( 2 ) المصدر السابق ( 186 ) .